أَيْ فِيمَا يَغْمُرُ قُلُوبَهُمْ مِنْ حُبّ الْمَالِ وَالْبَنِينَ الْمَانِعِ لَهُمْ مِنْ الْمُسَارَعَةِ فِي الْخَيِّرَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} الْآيَاتِ: أَيْ سَاهُونَ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَهُمْ فِي غَمْرَةٍ عَنْهَا أَيْ فِيمَا يَغْمُرُ قُلُوبَهُمْ مِنْ حُبّ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا سَاهُونَ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَمَا خُلِقُوا لَهُ. وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} فَالْغَمْرَةُ تَكُونُ مِنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالسَّهْوُ مَنْ جِنْسِ الْغَفْلَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ:"السَّهْوُ"الْغَفْلَةُ عَنْ الشَّيْءِ وَذَهَابُ الْقَلْبِ عَنْهُ وَهَذَا جِمَاعُ الشَّرِّ"الْغَفْلَةُ"وَ"الشَّهْوَةُ""فَالْغَفْلَةُ"عَنْ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ تَسُدُّ بَابَ الْخَيْرِ الَّذِي هُوَ الذِّكْرُ وَالْيَقَظَةُ. وَ"الشَّهْوَةُ"تَفْتَحُ بَابَ الشَّرِّ وَالسَّهْوِ وَالْخَوْفِ فَيَبْقَى الْقَلْبُ مَغْمُورًا فِيمَا يَهْوَاهُ وَيَخْشَاهُ غَافِلًا عَنْ اللَّهِ رَائِدًا غَيْرَ اللَّهِ سَاهِيًا عَنْ ذِكْرِهِ قَدْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ اللَّهِ قَدْ انْفَرَطَ أَمْرُهُ قَدْ رَانَ حُبُّ الدُّنْيَا عَلَى قَلْبِهِ كَمَا رُوِيَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ} جَعَلَهُ عَبَدَ مَا يُرْضِيهِ وُجُودُهُ، وَيُسْخِطُهُ فَقْدُهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدَ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدَ مَا وُصِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَ"الْقَطِيفَةُ"هِيَ الَّتِي يُجْلَسُ عَلَيْهَا فَهُوَ خَادِمُهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَخْدِمُك وَلَا تَلْبَسْ مِنْهَا مَا تَكُنْ أَنْتَ تَخْدِمُهُ وَهِيَ كَالْبِسَاطِ الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ وَ"الْخَمِيصَةُ"هِيَ الَّتِي يَرْتَدِي بِهَا وَهَذَا مِنْ أَقَلِّ الْمَالِ.
وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ فَهُوَ عَبْدٌ لِذَلِكَ: فِيهِ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ وَشُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ. وَلِهَذَا قَالَ: {إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ} . فَمَا كَانَ يُرْضِي الْإِنْسَانَ حُصُولُهُ، وَيُسْخِطُهُ فَقْدُهُ فَهُوَ عَبْدُهُ إذْ الْعَبْدُ يَرْضَى بِاتِّصَالِهِ بِهِمَا وَيَسْخَطُ لِفَقْدِهِمَا. وَ"الْمَعْبُودُ الْحَقُّ"الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إذَا عَبَدَهُ الْمُؤْمِنُ وَأَحَبَّهُ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِ بِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ إيمَانٌ وَتَوْحِيدٌ وَمَحَبَّةٌ وَذِكْرٌ وَعِبَادَةٌ فَيَرْضَى بِذَلِكَ وَإِذَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ غَضِبَ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَحَبّ شَيْئًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ فِي قَلْبِهِ، وَيُرِيدَ اتِّصَالَهُ بِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
قَالَ الْجُنَيْد: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ عَبْدًا حَتَّى يَكُونَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى حُرًّا. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَبْدًا لِلَّهِ خَالِصًا مُخْلِصًا دِينَهُ لِلَّهِ كُلَّهُ حَتَّى لَا يَكُونَ عَبْدًا لِمَا سِوَاهُ وَلَا فِيهِ شُعْبَةٌ وَلَا أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ عُبُودِيَّةِ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِذَا كَانَ يُرْضِيهِ وَيُسْخِطُهُ غَيْرُ اللَّهِ فَهُوَ عَبْدٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ فَفِيهِ مِنْ الشِّرْكِ بِقَدْرِ مَحَبَّتِهِ، وَعِبَادَتُهُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ زِيَادَةٌ. قَالَ"الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ"وَاللَّهِ مَا صَدَقَ اللَّهَ فِي عُبُودِيَّتِهِ مَنْ لِأَحَدِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ عَلَيْهِ رَبَّانِيَّةٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نفيل:
أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفُ رَبٍّ ... أَدِينُ إذَا انْقَسَمَتْ الْأُمُورُ