وَتَقُولُ الْمُرْجِئَةُ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 27] الْمُرَادُ بِهِ: مَنِ اتَّقَى الشِّرْكَ.
قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ. فَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ - وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ: 41 - 42] ، {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [سُورَةُ الْقَمَرِ: 54] .
وَقَالَ: {الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 1 - 4] .
وَقَالَتْ مَرْيَمُ: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [سُورَةُ مَرْيَمَ: 18]
وَلَمْ تُرِدْ بِهِ الشِّرْكَ، بَلْ أَرَادَتِ التَّقِيَّ الَّذِي يُتَّقَى فَلَا يُقْدِمُ عَلَى الْفُجُورِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [سُورَةُ الطَّلَاقِ: 1 - 2] .
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 29] .
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [سُورَةُ يُوسُفَ: 90] .
وَقَالَ تَعَالَى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 186] .
وَقَالَ - تَعَالَى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 18 - 19] .
وَقَالَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 70 - 71] فَهُمْ قَدْ آمَنُوا وَاتَّقَوُا الشِّرْكَ فَلَمْ يَكُنِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ تَرْكِ الشِّرْكِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 102] .
أَفَيَقُولُ مُسْلِمٌ: إِنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَسْفِكُونَ دِمَاءَ النَّاسِ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُشْرِكُوا، وَإِنَّ أَهْلَ الْفَوَاحِشِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَظُلْمِ النَّاسِ اتَّقَوُا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ؟.
وَقَدْ قَالَ السَّلَفُ: ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: كَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلٍ:"حَقَّ تُقَاتِهِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى". وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي تَفْسِيرِ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ أَنْ يُجَاهِدَ الْعَبْدُ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَأَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَأَنْ يَقُومُوا لَهُ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَآبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ - وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 201 - 202] ، فَمَنْ كَانَ الشَّيْطَانُ لَا يَزَالُ يَمُدُّهُ فِي الْغَيِّ، وَهُوَ لَا يَتَذَكَّرُ وَلَا يُبْصِرُ، كَيْفَ يَكُونُ مِنَ الْمُتَّقِينَ؟.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي آيَةِ الطَّلَاقِ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [سُورَةُ الطَّلَاقِ: 2 - 3] . وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:" «يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ عَمِلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ لَكَفَتْهُمْ» "وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا تَعَدَّى الرَّجُلُ حَدَّ اللَّهِ فِي الطَّلَاقِ يَقُولُونَ لَهُ: لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ لَجَعَلَ لَكَ مَخْرَجًا وَفَرَجًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّقْوَى هُنَا مُجَرَّدَ تَقْوَى الشِّرْكِ.
وَمِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلْ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ قَوْلُهُ - تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 281] ، فَهَلِ اتِّقَاءُ ذَلِكَ هُوَ مُجَرَّدُ تَرْكِ الشِّرْكِ؟، وَإِنْ فَعَلَ كُلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَتَرَكَ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؟ وَقَدْ قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ وَمَعَ هَذَا كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَنْسُبُهُ إِلَى الْإِرْجَاءِ قَالَ: التَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ تَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ تَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَوْنُ الْمُتَّقِينَ هُمُ الْأَبْرَارُ الْفَاعِلُونَ لِلْفَرَائِضِ، الْمُجْتَنِبُونَ لِلْمَحَارِمِ، هُوَ مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَالْقُرْآنُ وَالْأَحَادِيثُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.