(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(25)
وَ"الْمِيزَانُ"هُوَ: الْعَدْلُ وَمَا بِهِ يُعْرَفُ الْعَدْلُ وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ لِيَنْصُرَ الْكِتَابَ؛ فَإِنْ قَامَ صَاحِبُهُ بِذَلِكَ كَانَ سَعِيدًا مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ نَصَرَ الْكِتَابَ بِأَمْرِ مِنْ عِنْدِهِ؛ وَانْتَقَمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
أَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِأَجْلِ قِيَامِ النَّاسِ بِالْقِسْطِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ الَّذِي بِهِ يَنْصُرُ هَذَا الْحَقَّ فَالْكِتَابُ يَهْدِي وَالسَّيْفُ يَنْصُرُ وَكَفَى بِرَبِّك هَادِيًا وَنَصِيرًا. وَلِهَذَا كَانَ قِوَامُ النَّاسِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْحَدِيدِ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: صِنْفَانِ إذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَّاسُ: الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ. وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} أَقْوَالًا تَجْمَعُ الْعُلَمَاءَ وَالْأُمَرَاءَ وَلِهَذَا نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى دُخُولِ الصِّنْفَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَكَانَ نُوَّابُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ كَعَلِيِّ وَمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَتَّابِ بْنِ أسيد وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العاص وَأَمْثَالِهِمْ يَجْمَعُونَ الصِّنْفَيْنِ. وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَنُوَّابِهِمْ. وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَاَلَّذِي يَقُومُ بِالْجِهَادِ صَاحِبُ الْحَدِيدِ. إلَى أَنْ تَفَرَّقَ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا تَفَرَّقَ صَارَ كُلُّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ وَعُقُوبَاتِ الْفُجَّارِ يَجِبُ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَقَسْمِهَا يَجِبُ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِالْكِتَابِ بِتَبْلِيغِ أَخْبَارِهِ وَأَوَامِرِهِ وَبَيَانِهَا يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ وَيُطَاعَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الصِّدْقِ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ.