(فَصْلٌ فِي بطلان استدلال الْجَهْمِيَّة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ بقول الله:"لا أحب الآفلين"على أن الحركة من لوازم الإله)
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
وَيَقُولُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} قَالُوا: فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ اسْتَدَلَّ بِالْأُفُولِ - وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالِانْتِقَالُ - عَلَى أَنَّ الْمُتَحَرِّكَ لَا يَكُونُ إلَهًا. قَالُوا: وَلِهَذَا يَجِبُ تَأْوِيلُ مَا وَرَدَ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَالِفًا لِذَلِكَ مِنْ وَصْفِ الرَّبِّ بِالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَالنُّزُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِهَذَا الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ فَلَوْ قَدَحَ فِي ذَلِكَ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي دَلِيلِ نُبُوَّتِهِ فَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يَقُولُونَ إنَّهُ عَارَضَ السَّمْعَ وَالْعَقْلَ. وَنَقُولُ إذَا تَعَارَضَ السَّمْعُ وَالْعَقْلُ امْتَنَعَ تَصْدِيقُهُمَا وَتَكْذِيبُهُمَا وَتَصْدِيقُ السَّمْعِ دُونَ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ أَصْلُ السَّمْعِ فَلَوْ جُرِحَ أَصْلُ الشَّرْعِ كَانَ جَرْحًا لَهُ. وَلِأَجْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ الصِّفَاتِ وَالرُّؤْيَةَ وَقَالُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ وَلِأَجْلِهَا قَالَتْ الْجَهْمِيَّة بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ وَلِأَجْلِهَا قَالَ الْعَلَّافُ بِفَنَاءِ حَرَكَاتِهِمْ؛ وَلِأَجْلِهَا فَرَّعَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ؛ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.