وَ"اتِّبَاعُ الْهَوَى"دَرَجَاتٌ: فَمِنْهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَاَلَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا يَسْتَحْسِنُونَ بِلَا عِلْمٍ وَلَا بُرْهَانٍ كَمَا قَالَ: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ} أَيْ يَتَّخِذُ إلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ وَهُوَ مَا يَهْوَاهُ مِنْ آلِهَةٍ وَلَمْ يَقُلْ إنَّ هَوَاهُ نَفْسُ إلَهِهِ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَهْوَى شَيْئًا يَعْبُدُهُ فَإِنَّ الْهَوَى أَقْسَامٌ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَعْبُودَ الَّذِي يَعْبُدُهُ هُوَ مَا يَهْوَاهُ فَكَانَتْ عِبَادَتُهُ تَابِعَةً لِهَوَى نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ مَا يُحِبُّ أَنْ يَعْبُدَ وَلَا عَبْدَ الْعِبَادَةَ الَّتِي أُمِرَ بِهَا. وَهَذِهِ حَالُ"أَهْلِ الْبِدَعِ"فَإِنَّهُمْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ وَابْتَدَعُوا عِبَادَاتٍ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِهَا فَهُمْ إنَّمَا اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَتَّبِعُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ وَذَوْقَهَا وَوَجْدَهَا وَهَوَاهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ. فَلَوْ اتَّبَعَ الْعِلْمَ وَالْكِتَابَ الْمُنِيرَ لَمْ يَعْبُدْ إلَّا اللَّهَ بِمَا شَاءَ لَا بِالْحَوَادِثِ وَالْبِدَعِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْآلِهَةَ كَثِيرَةٌ وَالْعِبَادَاتُ لَهَا مُتَنَوِّعَةٌ وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَا يُرِيدُهُ الْإِنْسَانُ وَيُحِبُّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَتِلْكَ الصُّورَةُ الْعِلْمِيَّةُ مُحَرِّكَةٌ لَهُ إلَى مَحْبُوبِهِ وَلَوَازِمِ الْحُبِّ فَمَنْ عَبَدَهُ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ وَتَمَثَّلَتْ لَهُ الشَّيَاطِينُ فِي صُورَةِ مَنْ يَعْبُدُهُ وَهَذَا كَثِيرٌ مَا زَالَ وَلَمْ يَزَلْ وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ فَإِنَّمَا يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ وَلِهَذَا يُقَارِنُ الشَّيْطَانُ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا وَاسْتِوَائِهَا لِيَكُونَ سُجُودُ مَنْ يَعْبُدُهَا لَهُ. وَقَدْ كَانَتْ"الشَّيَاطِينُ"تَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ مَنْ يُعْبَدُ كَمَا كَانَتْ تُكَلِّمُهُمْ مِنْ الْأَصْنَامِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَكَذَلِكَ فِي وَقْتِنَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ أَشْرَكَ بِبَعْضِ مَنْ يُعَظِّمُهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ مِنْ الْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ فَيَدْعُوهُ وَيَسْتَغِيثُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فَيَرَاهُ قَدْ أَتَاهُ وَكَلَّمَهُ وَقَضَى حَاجَتَهُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَمَثَّلَ عَلَى صُورَتِهِ لِيُغْوِيَ هَذَا الْمُشْرِكَ.