فهرس الكتاب

الصفحة 7798 من 9238

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:

وَفِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ يَذْكُرُ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيَقُولُ عَقِبَهُ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قَالَ طَائِفَةٌ - وَاللَّفْظُ للبغوي - ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} قَالَ كُلَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْلِهِ {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} فَإِنَّهُ مَوَاعِظُ وَهُوَ نِعْمَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَزْجُرُ عَنْ الْمَعَاصِي، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: الزَّجَّاجُ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، فِي الْآيَاتِ أَيْ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا نِعَمٌ فِي دِلَالَتِهَا إيَّاكُمْ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَرِزْقِهِ إيَّاكُمْ مَا بِهِ قِوَامُكُمْ، هَذَا قَالُوهُ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ.

ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:

وَالْآلَاءُ فِي اللُّغَةِ هِيَ النِّعَمُ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْقُدْرَةَ. وَاللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ يَذْكُرُ آيَاتِهِ الدَّالَّةَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَيَذْكُرُ آيَاتِهِ الَّتِي فِيهَا نِعَمُهُ إلَى عِبَادِهِ وَيَذْكُرُ آيَاتِهِ الْمُبَيِّنَةَ لِحِكْمَتِهِ، وَهِيَ مُتَلَازِمَةٌ؛ لَكِنَّ نِعْمَةَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَلَابِسِ ظَاهِرَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فَلِهَذَا اُسْتُدِلَّ بِهَا فِي"سُورَةِ النَّحْلِ"، وَتُسَمَّى"سُورَةَ النِّعَمِ"كَمَا قَالَهُ قتادة وَغَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُ الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ الشُّكْرِ مِنْ جِهَةِ أَسْبَابِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى نِعْمَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَنْوَاعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْيَدِ، فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ فِيهِ نِعْمَةٌ لَمْ يَكُنْ الْحَمْدُ إلَّا عَلَى نِعْمَةٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. لَكِنَّ هَذَا فَهْمُ مَنْ عَرَفَ مَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ النِّعَمِ؛ وَالْجَهْمِيَّة وَالْجَبْرِيَّةُ بِمَعْزِلِ عَنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تَعُودُ الْحِكْمَةُ إلَيْهِ؛ بَلْ مَا ثَمَّ إلَّا نَفْعُ الْخَلْقِ فَمَا عِنْدَهُمْ إلَّا شُكْرٌ، كَمَا لَيْسَ عِنْدَ الْجَهْمِيَّة إلَّا قُدْرَةٌ، وَالْقُدْرَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ نِعْمَةٍ وَحِكْمَةٍ لَا يَظْهَرُ فِيهَا وَصْفُ حَمْدٍ، وَحَقِيقَةُ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ؛ فَلَهُ مُلْكٌ بِلَا حَمْدٍ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَهُ نَوْعٌ مِنْ الْحَمْدِ بِلَا مُلْكٍ، وَعِنْدَ السَّلَفِ لَهُ الْمُلْكُ وَالْحَمْدُ تَامَّيْنِ. قَالَ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فَلَهُ الْوَحْدَانِيَّةُ فِي إلَهِيَّتِهِ، وَلَهُ الْعَدْلُ وَلَهُ الْعِزَّةُ وَالْحِكْمَةُ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ إنَّمَا يُثْبِتُهَا السَّلَفُ وَأَتْبَاعُهُمْ، فَمَنْ قَصَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ السُّنَّةِ نَقَصَ الرَّبَّ بَعْضَ حَقِّهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت