فهرس الكتاب

الصفحة 4296 من 9238

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ:

فَصْلٌ:

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} فَأُمِرَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ فَقَدْ يُقَالُ: هُوَ ذِكْرُهُ فِي قَلْبِهِ بِلَا لِسَانِهِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} وَقَدْ يُقَالُ وَهُوَ أَصَحُّ: بَلْ ذِكْرُ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ بِاللِّسَانِ مَعَ الْقَلْبِ وَقَوْلُهُ: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} كَقَوْلِهِ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ {ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُ: لَا تَجْهَرْ بِالْقُرْآنِ فَيَسْمَعَهُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ وَلَا تُخَافِتْ بِهِ عَنْ أَصْحَابِك فَلَا يَسْمَعُوهُ} . فَنَهَاهُ عَنْ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ. فَالْمُخَافَتَةُ هِيَ ذِكْرُهُ فِي نَفْسِهِ وَالْجَهْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْجَهْرُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: {وَدُونَ الْجَهْرِ}

لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا لَا فِي السِّرِّ وَلَا فِي الْجَهْرِ؛ فَهَذَا يُقَابِلُهُ قَوْلَ مَنْ أَوْجَبَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَلَوْ كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ كَالْقَوْلِ الْآخَرِ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْجَدِيدُ وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا. وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ بِالْفَاتِحَةِ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِي وَهُوَ اخْتِيَارُ جَدِّي أَبِي الْبَرَكَاتِ. وَلَكِنْ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى الْمَأْمُومِ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَقَدْ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا قَرَأَ الْمَأْمُومُ وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ: هَلْ تُبْطِلُ صَلَاتَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ كَوْنُهُ مُسْتَمِعًا لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ يَحْصُلُ لَهُ أَفْضَلُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مَعَ الْإِمَامِ وَعَلَى هَذَا فَاسْتِمَاعُهُ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ بِالْفَاتِحَةِ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ وَزِيَادَةٌ تُغْنِي عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَهُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا وَهَذَا خِلَافُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ فَإِنَّ كَوْنَهُ تَالِيًا لِكِتَابِ اللَّهِ يُثَابُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ خَيْرًا مِنْ كَوْنِهِ سَاكِتًا بِلَا فَائِدَةٍ؛ بَلْ يَكُونُ عُرْضَةً لِلْوَسْوَاسِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي لَا ثَوَابَ فِيهِ فَقِرَاءَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا خَيْرًا مِنْ حَدِيثِ نَفْسٍ لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت