قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
وَعَنْ قَوْلِهِ: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} وَهُوَ غَيْرُ مُشْتَعِلٍ كَاشْتِعَالِ النَّارِ فَهَذَا مُسَلَّمٌ؛ لَكِنْ يُقَالُ: لَفْظُ الِاشْتِعَالِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي هَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي سَرَى مِنْ السَّوَادِ سَرَيَانَ الشُّعْلَةِ مِنْ النَّارِ وَهَذَا تَشْبِيهٌ وَاسْتِعَارَةٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ} اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الِاشْتِعَالِ مُقَيَّدًا بِالرَّأْسِ لَمْ يَحْتَمِلْ اللَّفْظَ فِي اشْتِعَالِ الْحَطَبِ وَهَذَا اللَّفْظُ - وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} - لَمْ يُسْتَعْمَلْ قَطُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بَلْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَضْعُ يُغَيِّرُ بَعْدَ وَضْعٍ اشْتَعَلَتْ النَّارُ فَلَا يَضُرُّ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ تَشْبِيهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِهَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَضُرُّ بَلْ هَذَا شَأْنُ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ تَشْتَبِهُ فِيهِ تِلْكَ الْأَفْرَادُ.
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ اسْتِعَارَةً فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعِيرُوا ذَلِكَ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ بَلْ رَكَّبُوا لَفْظَ اشْتَعَلَ مَعَ الرَّأْسِ تَرْكِيبًا لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ وَلَا أَرَادُوا بِهِ غَيْرَ هَذَا الْمَعْنَى قَطُّ. وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ هَذَا: لَمْ يَشْتَعِلْ الرَّأْسُ شَيْبًا بَلْ يُقَالُ: لَيْسَ اشْتِعَالُ الرَّأْسِ مِثْلَ اشْتِعَالِ الْحَطَبِ وَإِنْ أَشْبَهَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ.