(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
وَأَمَّا قَوْلُك: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ} فَفِيهِ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ: الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَعَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْحَقِّ: عِيسَى؛ كَمَا سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ. وَقِيلَ: بَلْ الْمُرَادُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ الْحَقِّ؛ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ؛ كَقَوْلِهِ: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} الْآيَةَ {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} أَيْ: هَذَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ عِيسَى فَتَسْمِيَتُهُ قَوْلَ الْحَقِّ كَتَسْمِيَتِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ خَبَرًا وَبَدَلًا. وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَلَهُ نَظَائِرُ فَالْقَوْلُ فِي تَسْمِيَتِهِ مَجَازًا كَالْقَوْلِ فِي نَظَائِرِهِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ إلَّا أَنَّهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَدْخُلُ فِي هَذَا. وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْحَقِّ اللَّهُ؛ وَالْمُرَادُ قَوْلُ اللَّهِ: فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْنًى صَحِيحًا فَعَادَةُ الْقُرْآنِ إذَا أُضِيفَ الْقَوْلُ إلَى اللَّهِ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ لَا يُقَالُ: قَوْلُ الْحَقِّ إلَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْقَوْلَ الْحَقَّ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {قَوْلُهُ الْحَقُّ} وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} وَقَوْلُهُ: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} ثُمَّ مِثْلُ هَذَا إذَا أُضِيفَ فِيهِ الْمَوْصُوفُ إلَى الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ: {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} وَقَوْلِهِمْ: صَلَاةُ الْأُولَى وَدَارُ الْآخِرَةِ هُوَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ نُحَاةِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ إضَافَةُ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ بِلَا حَذْفٍ وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ أَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: صَلَاةُ السَّاعَةِ الْأُولَى وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ وَلَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: {الدَّارُ الْآخِرَةُ} وَقَالَ: {قَوْلُهُ الْحَقُّ} . وَبِالْجُمْلَةِ فَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةً لِمَنْ سَمَّى ذَلِكَ مَجَازًا إلَّا كَحُجَّتِهِ فِي نَظَائِرِهِ فَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْأَصْلِ.