(فَصْلٌ)
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:
وَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ وَبَيْنَ مَنْ يَحْمَدُهُ وَيُكْرِمُهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَمَنْ يَذُمُّهُ وَيُعَاقِبُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ لَا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا. وَجَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي لَا مَسَاغَ لَهُ. فَقَالَ تَعَالَى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} وَقَالَ: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ سَيِّئٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ الْحُكْمُ بِهِ مُسَاوِيًا لِلْحُكْمِ بِالتَّفَاضُلِ. ثُمَّ قَالَ: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَأَنَّهُ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا فَيَنْقُصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا بَلْ كَمَا قَالَ: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} . وَقَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ فَلَا يُؤْتِيهِ أَجْرَهُ أَوْ يَحْمِلُ عَلَيْهِ ذَنْبَ غَيْرِهِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} وَقَالَ تَعَالَى: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} وَقَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ {يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا} . وَمَا تَزْعُمُهُ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ أَنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِ عِبَادِهِ عَلَى بَعْضٍ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ جَهْلٌ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ الَّتِي جَرَى بِهَا الْقَدَرُ لَيْسَ بِظُلْمِ فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْ النَّاسِ إذَا عَاقَبَهُ غَيْرُهُ بِسَيِّئَاتِهِ وَانْتَصَفَ لِلْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَحْمُودٌ مِنْهُ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّ الظَّالِمَ مَعْذُورٌ لِأَجْلِ الْقَدَرِ. فَرَبُّ الْعَالَمِينَ إذَا أَنْصَفَ بَعْضَ عِبَادِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَخَذَ لِلْمَظْلُومِينَ حَقَّهُمْ مِنْ الظَّالِمِينَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ لِأَجْلِ الْقَدَرِ وَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ مِنْ الْعِبَادِ إذَا وَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ فَجَعَلَ الطَّيِّبَ مَعَ الطَّيِّبِ فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ لَهُ وَجَعَلَ الْخَبِيثَ مَعَ الْخَبِيثِ فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ لَهُ كَانَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنْهُ وَحِكْمَةً فَرَبُّ الْعَالَمِينَ إذَا وَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَجْعَلْ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وَلَا الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. وَالْجَنَّةُ طَيِّبَةٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَدْخُلَهَا إلَّا طَيِّبٌ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إلَّا بَعْدَ الْقِصَاصِ الَّذِي يُنَظِّفُهُمْ مِنْ الْخُبْثِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ الْمُؤْمِنِينَ إذَا عَبَرُوا الْجِسْرَ - وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمَنْصُوبُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ - فَإِنَّهُمْ يُوقِفُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ} وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ: هُنَا أَنَّ مَا يَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ الظُّلْمِ وَالْعَدْلِ الَّذِي يَقِيسُونَ بِهِ الرَّبَّ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ بِدَعِهِمْ الَّتِي ضَلُّوا بِهَا وَخَالَفُوا بِهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَابَلَهُمْ فَنَفَى حِكْمَةَ الرَّبِّ الثَّابِتَةَ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَمَا كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَمَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الظُّلْمِ وَمَا جَعَلَهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ وَالْمَشْرُوعَاتِ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا النَّصَّ مَعَ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ.