(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)
فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي قَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ أَحَبَّ إلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَتَاجِرِ وَالْأَصْحَابِ وَالْإِخْوَانِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا حَقًّا وَمِثْلُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا} وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ إلَّا بِهَذِهِ المحبات الثَّلَاثِ. (أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ سِوَاهُمَا وَهَذَا مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُؤْمِنًا بِدُونِهَا. (الثَّانِي أَنْ يُحِبَّ الْعَبْدَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَهَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْأَوَّلِ. و (الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ إلْقَاؤُهُ فِي النَّارِ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْكُفْرِ. وَكَذَلِكَ التَّائِبُ مِنْ الذُّنُوبِ مِنْ أَقْوَى عَلَامَاتِ صِدْقِهِ فِي التَّوْبَةِ هَذِهِ الْخِصَالُ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَحَبَّةُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْأَعْيَانِ لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِنَا كَالْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِنَا فَهِيَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَ مِنْ الْعَمَلِ مَا تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ مِثْلَ إرَادَتِهِ نَصْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ وَالتَّقْرِيبَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِثْلَ بُغْضِهِ لِمَنْ يُعَادِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا اسْتَفَاضَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَأَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ} وَفِي رِوَايَةٍ {الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقُ بِهِمْ} أَيْ وَلَمَّا يَعْمَلُ بِأَعْمَالِهِمْ فَقَالَ: {الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ} قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَأَنَا أَحَبّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَنِي اللَّهُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ عَمَلَهُمْ. وَهَذَا الْحَدِيثُ حَقٌّ فَإِنَّ كَوْنَ الْمُحِبِّ مَعَ الْمَحْبُوبِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ لَا يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ وَكَوْنُهُ مَعَهُ هُوَ عَلَى مَحَبَّتِهِ إيَّاهُ فَإِنْ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ مُتَوَسِّطَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَعَهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ كَامِلَةً كَانَ مَعَهُ كَذَلِكَ وَالْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَجِبُ مَعَهَا الْمُوَافَقَةُ لِلْمَحْبُوبِ فِي محابه إذَا كَانَ الْمُحِبُّ قَادِرًا عَلَيْهَا فَحَيْثُ تَخَلَّفَتْ الْمُوَافَقَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ يَكُونُ قَدْ نَقَصَ مِنْ الْمَحَبَّةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً.