فهرس الكتاب

الصفحة 8453 من 9238

(فَصْلٌ)

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - بَعْدَ كَلَامٍ سَبَقَ:

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَك كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قَالَ جَمْعُهُ فِي صَدْرِك ثُمَّ تَقْرَؤُهُ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قَالَ: فَاسْتَمَعَ لَهُ وَأَنْصَتَ {ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أَيْ نُبَيِّنُهُ بِلِسَانِك. فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَقْرَأَهُ؛ فَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ الصَّحَابَةُ يُنَقِّطُونَ الْمَصَاحِفَ وَيُشَكِّلُونَهَا وَأَيْضًا كَانُوا عَرَبًا لَا يَلْحَنُونَ؛ فَلَمْ يَحْتَاجُوا إلَى تَقْيِيدِهَا بِالنَّقْطِ وَكَانَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ قِرَاءَتَانِ يُقْرَأُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ مِثْلُ: يَعْمَلُونَ وَتَعْمَلُونَ. فَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِأَحَدِهِمَا لِيَمْنَعُوهُ مِنْ الْأُخْرَى. ثُمَّ إنَّهُ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ لَمَّا حَدَثَ اللَّحْنُ صَارَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يُشَكِّلُ الْمَصَاحِفَ وَيُنَقِّطُهَا وَكَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِالْحُمْرَةِ وَيَعْمَلُونَ الْفَتْحَ بِنُقْطَةِ حَمْرَاءَ فَوْقَ الْحَرْفِ وَالْكَسْرَةَ بِنُقْطَةِ حَمْرَاءَ تَحْتَهُ وَالضَّمَّةَ بِنُقْطَةِ حَمْرَاءَ أَمَامَهُ. ثُمَّ مَدُّوا النُّقْطَةَ وَصَارُوا يَعْمَلُونَ الشَّدَّة بِقَوْلِك"شَدَّ"؛ وَيَعْمَلُونَ الْمَدَّةَ بِقَوْلِك"مَدَّ"وَجَعَلُوا عَلَامَةَ الْهَمْزَةِ تُشْبِهُ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ أُخْتُ الْعَيْنِ ثُمَّ خَفَّفُوا ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ عَلَامَةُ الشَّدَّةِ مِثْلَ رَأْسِ السِّينِ وَعَلَامَةُ الْمَدَّةِ مُخْتَصَرَةً كَمَا يَخْتَصِرُ أَهْلُ الدِّيوَانِ أَلْفَاظَ الْعَدَدِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَكَمَا يَخْتَصِرُ الْمُحَدِّثُونَ أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا فَيَكْتُبُونَ أَوَّلَ اللَّفْظِ وَآخِرَهُ عَلَى شَكْلٍ"أَنَا"وَعَلَى شَكْلِ"ثنا".

وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُكْرَهُ تَشْكِيلُ الْمَصَاحِفِ وَتَنْقِيطُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد لَكِنْ لَا نِزَاعَ بَيْنِهِمْ أَنَّ الْمُصْحَفَ إذَا شُكِّلَ وَنُقِّطَ وَجَبَ احْتِرَامُ الشَّكْلِ وَالنَّقْطِ كَمَا يَجِبُ احْتِرَامُ الْحَرْفِ وَلَا تَنَازُعَ بَيْنَهُمْ أَنَّ مِدَادَ النُّقْطَةِ وَالشَّكْلِ مَخْلُوقٌ كَمَا أَنَّ مِدَادَ الْحَرْفِ مَخْلُوقٌ وَلَا نِزَاعَ بَيْنِهِمْ أَنَّ الشَّكْلَ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَابِ وَالنَّقْطَ يَدُلُّ عَلَى الْحُرُوفِ وَأَنَّ الْإِعْرَابَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ.

وَيُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: حِفْظُ إعْرَابِ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ النُّقْطَةَ وَالشَّكْلَةَ بِمَجْرَدِهِمَا لَا حُكْمَ لَهُمَا وَلَا حُرْمَةَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَرَّدَ الْكَلَامُ فِيهِمَا وَلَا رَيْبَ أَنَّ إعْرَابَ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ تَمَامِهِ وَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِإِعْرَابِهِ وَالشَّكْلُ يُبَيِّنُ إعْرَابَهُ كَمَا تُبَيِّنُ الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ لِلْحَرْفِ الْمَنْطُوقِ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الشَّكْلُ الْمَكْتُوبُ لِلْإِعْرَابِ الْمَنْطُوقِ.

فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ إذَا تَصَوَّرَهَا النَّاسُ عَلَى وَجْهِهَا تَصَوُّرًا تَامًّا ظَهَرَ لَهُمْ الصَّوَابُ وَقَلَّتْ الْأَهْوَاءُ وَالْعَصَبِيَّاتُ وَعَرَفُوا مَوَارِدَ النِّزَاعِ فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اتَّبَعَهُ وَمَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ تَوَقَّفَ حَتَّى يُبَيِّنَهُ اللَّهُ لَهُ وَيَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى ذَلِكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ وَمِنْ أَحْسَنِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت