(فَصْلٌ)
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَتَمَامُ"الْوَرَعِ"أَنْ يَعُمَّ الْإِنْسَانَ خَيْرُ الْخَيْرَيْنِ وَشَرُّ الشَّرَّيْنِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَإِلَّا فَمَنْ لَمْ يُوَازِنْ مَا فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَفْسَدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ يَدَعُ وَاجِبَاتٍ وَيَفْعَلُ مُحَرَّمَاتٍ. وَيَرَى ذَلِكَ مِنْ الْوَرَعِ كَمَنْ يَدْعُ الْجِهَادَ مَعَ الْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ وَيَرَى ذَلِكَ وَرَعًا وَيَدَعُ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ فِيهِمْ بِدْعَةٌ أَوْ فُجُورٌ وَيَرَى ذَلِكَ مِنْ الْوَرَعِ وَيَمْتَنِعُ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الصَّادِقِ وَأَخْذِ عِلْمِ الْعَالِمِ لِمَا فِي صَاحِبِهِ مِنْ بِدْعَةٍ خَفِيَّةٍ وَيَرَى تَرْكَ قَبُولِ سَمَاعِ هَذَا الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ سَمَاعُهُ مِنْ الْوَرَعِ.
وَكَذَلِكَ"الزُّهْدُ وَالرَّغْبَةُ"مَنْ لَمْ يُرَاعِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الرَّغْبَةِ وَالزُّهْدِ وَمَا يَكْرَهُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَإِلَّا فَقَدَ يَدَعُ وَاجِبَاتٍ وَيَفْعَلُ مُحَرَّمَاتٍ مِثْلُ مَنْ يَدْعُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْأَكْلِ أَوْ أَكْلِ الدَّسِمِ حَتَّى يَفْسُدُ عَقْلُهُ أَوْ تَضْعُفَ قُوَّتُهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حُقُوقِ عِبَادِهِ أَوْ يَدَعُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَا فِي فِعْلِ ذَلِكَ مِنْ أَذَى بَعْضِ النَّاسِ وَالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ حَتَّى يَسْتَوْلِيَ الْكُفَّارُ وَالْفُجَّارُ عَلَى الصَّالِحِينَ الْأَبْرَارِ فَلَا يَنْظُرُ الْمَصْلَحَةَ الرَّاجِحَةَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} . يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِنْ كَانَ قَتْلُ النُّفُوسِ فِيهِ شَرٌّ فَالْفِتْنَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْكُفْرِ، وَظُهُورُ أَهْلِهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَيَدْفَعُ أَعْظَمَ الفسادين بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا. وَكَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ ذَبْحَ الْحَيَوَانِ أَوْ يَرَى أَنَّ فِي ذَبْحِهِ ظُلْمًا لَهُ هُوَ جَاهِلٌ فَإِنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ فَإِذَا قُتِلَ لِمَنْفَعَةِ الْآدَمِيِّينَ وَحَاجَتِهِمْ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَمُوتَ مَوْتًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ وَالْآدَمِيُّ أَكْمَلُ مِنْهُ وَلَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ الْحَيَوَانِ فِي الْأَكْلِ وَالرُّكُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ تَعْذِيبِهِ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَصَبْرِ الْبَهَائِمِ وَذَبْحِهَا فِي غَيْرِ الْحَلْقِ واللبة مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَأَوْجَبَ اللَّهُ الْإِحْسَانَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِيمَا أَبَاحَهُ مِنْ الْقَتْلِ وَالذَّبْحِ. كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:" {إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأُحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ} ".