فسبحان من تفرد بالكمالات، وتنزه عن النقص والآفات، وأعطى الجزيل على العمل القليل، وتأمل في قوله تعالى في سورة يس {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) }
كيف بالغ رب العالمين في المدح والثناء على فعل هذا العبد بأن وصف مجيئه من المدينة، مع أن القصة افتتحت بقوله تعالى {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) }
ومعلوم صغر حجم القرية وهي لا تحتاج إلى كبير مشقة وعناء في الوصول إلى أي مكان شئت منها، بخلاف المدينة المتسعة الأرجاء المترامية الأطراف، فانظر إلى عظم كرم الله وجوده كيف يستكثر القليل من العبد الفقير الحقير ويثني عليه ويشكره، فالمعول عليه كرم الله وإحسانه، وفضله وامتنانه.
ولله در القائل:
وَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الْخَلَلَا ... جَلَّ مَنْ لاَ عَيْبَ فِيهِ وَعَلَا
وقال الإمام الشاطبي في مقدمة الشاطبية:
وَإِنْ كانَ خَرْقُ فَادَّرِكْهُ بِفَضْلَةٍ ... مِنَ الْحِلْمِ ولْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلاَ
فمن وجد لنا خطأ أو تقصيرا - ونحن محل لذلك - فليرشدنا إليه، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي.
ولْيَجُدْ علينا متكرمًا بدعوة صالحة على سبيل الإحسان، لعبدٍ أخرست الذنوب لسانه، ولم تُبقِ له عند مولاه جاهًا، ولا للاعتذار وجهًا، لكنه متعلق بأذيال عفو مولاه، راجيا عفوه ورضاه.
(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(286) .
هذا (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا)
جامع هذا الكتاب (خادم العلم والقرآن)
أبو إبراهيم/ عبد الرحمن القماش
(من علماء الأزهر الشريف)
(غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين)
القاهرة في يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر الله المحرم 1441 هـ
الموافق للحادي عشر من أكتوبر 2019 م