فهرس الكتاب

الصفحة 2313 من 9238

وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ جَوَازَ رَجْمِ الْحَامِلِ، فَهَذَا مِمَّا قَدْ يَخْفَى، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ بِقَتْلِ الصَّبِيِّ وَالْحَامِلِ تَبَعًا كَمَا إِذَا حُوصِرَ الْكُفَّارُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ، وَقَدْ يَقْتُلُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ.

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ، فَقَالَ:"هُمْ مِنْهُمْ» ".

وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.

وَقَدِ اشْتَبَهَ هَذَا عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَمَنَعُوا مِنَ الْبَيَاتِ خَوْفًا مِنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.

فَكَذَلِكَ قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى مَنْ ظَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: إِنَّ الرَّجْمَ حَدٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.

لَكِنَّ السُّنَّةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ كَالْحَدِّ وَبَيْنَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَالْبَيَاتِ وَالْحِصَارِ.

وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُرَاجِعُهُ آحَادُ النَّاسِ حَتَّى فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ قَالَتِ امْرَأَةٌ لَهُ: أَمِنْكَ نَسْمَعُ أَمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: بَلْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَتْ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 20] فَقَالَ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ.

وَكَذَلِكَ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ.

وَصَاحِبُ الْعِلْمِ الْعَظِيمِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، لَمْ يَقْدَحْ هَذَا فِي كَوْنِهِ أَعْلَمَ مِنْهُ، فَقَدْ تَعَلَّمَ مُوسَى مِنَ الْخَضِرِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ، وَتَعَلَّمَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْهُدْهُدِ خَبَرَ بِلْقِيسَ.

وَكَانَ الصَّحَابَةُ فِيهِمْ مَنْ يُشِيرُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَكَانَ عُمَرُ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ مُرَاجَعَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِمُوَافَقَتِهِ فِي مَوَاضِعَ: كَالْحِجَابِ، وَأُسَارَى بَدْرٍ، وَاتِّخَاذِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَقَوْلِهِ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَهَذِهِ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُرَاجَعَةُ لَمْ تَكُنْ لَا لِعُثْمَانَ وَلَا لِعَلِيٍّ.

وَفِي التِّرْمِذِيِّ:" «لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ» "،" «وَلَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ» ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت