فهرس الكتاب

الصفحة 2385 من 9238

ثُمَّ قَالَ: {وَالْأَرْحَامَ} . و"الْعُهُودُ"و"الْأَرْحَامُ": هُمَا جِمَاعُ الْأَسْبَابِ الَّتِي بَيْنَ بَنِي آدَمَ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي بَيْنَهُمْ: إمَّا أَنْ تَكُونَ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِهِمْ. فَالْأَوَّلُ"الْأَرْحَامُ"والثَّانِي"الْعُهُودُ"وَلِهَذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ؛ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلَا ذِمَّةً} فَالْإِلُّ: الْقَرَابَةُ وَالرَّحِمُ. وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ. وَقَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} وَقَالَ: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} إلَى قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} .

وَاعْلَمْ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ دَاخِلٌ فِي الْحَقَّيْنِ. وَمُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا؛ وَلِهَذَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ {اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَبْدَ وَخَلَقَ أَبَوَيْهِ وَخَلَقَهُ مِنْ أَبَوَيْهِ. فَالسَّبَبُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ هُوَ الْخِلْقِيُّ التَّامُّ؛ بِخِلَافِ سَبَبِ الْأَبَوَيْنِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ مَادَّتِهِ مِنْهُمَا وَلَهُ مَادَّةٌ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ ثُمَّ إنَّهُمَا لَمْ يُصَوِّرَاهُ فِي الْأَرْحَامِ. وَالْعَبْدُ لَيْسَ لَهُ مَادَّةٌ إلَّا مِنْ أَبَوَيْهِ وَاللَّهُ هُوَ خَالِقُهُ وَبَارِئُهُ وَمُصَوِّرُهُ وَرَازِقُهُ وَنَاصِرُهُ وَهَادِيهِ؛ وَإِنَّمَا حَقُّ الْأَبَوَيْنِ فِيهِ بَعْضُ الْمُنَاسَبَةِ لِذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ قَرَنَ حَقَّ الْأَبَوَيْنِ بِحَقِّهِ فِي قَوْلِهِ: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} وَفِي قَوْلِهِ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت