فَالتَّأْوِيلُ: يُرَادُ بِهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَةُ مَعَانِيهِ، وَهَذَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَيُرَادُ بِهِ مَا اسْتَأْثَرَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِعِلْمِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ كُنْهِهِ وَكُنْهِ مَا وَعَدَ بِهِ وَوَقْتِ السَّاعَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَالضُّلَّالُ يَذْكُرُونَ آيَاتٍ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا، فَيَتَّبِعُونَ تَأْوِيلَهَا ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهَا، وَلَيْسُوا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ أَوْضَحِ الْآيَاتِ.
وَهَذَا الَّذِي سَلَكُوهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ نَظِيرُ مَا سَلَكُوهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ فِيهَا مِنَ النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَفِيهَا كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ فِيهَا اشْتِبَاهٌ، فَتَمَسَّكُوا بِالْقَلِيلِ الْمُتَشَابِهِ الْخَفِيِّ الْمُشْكِلِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَرَكُوا الْكَثِيرَ الْمُحْكَمَ الْمُبَيَّنَ الْوَاضِحَ، فَهُمْ سَلَكُوا فِي الْقُرْآنِ مَا سَلَكُوهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ أَصْحَابِهَا وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ فِيهِ مُضْطَرِبُونَ مُتَنَاقِضُونَ، فَأَيُّ قَوْلٍ قَالُوهُ فِيهِ ظَهَرَ فَسَادُهُ وَكَذِبُهُمْ فِيهِ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ.