وَمَنْ قَالَ مِنْ ضُلَّالِ الْمُسْلِمِينَ: (إِنَّ الرَّبَّ يَتَّحِدُ أَوْ يَحُلُّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَإِنَّ هَذَا مِنَ السِّرِّ الَّذِي لَا يُبَاحُ بِهِ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَالْمُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، فَيَجْعَلُونَ تَوْحِيدَ الْعَارِفِينَ أَنْ يَصِيرَ الْمُوَحِّدُ هُوَ الْمُوَحَّدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي قَلْبِ الْعَارِفِ وَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ، كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ، وَيَقُولُ الْأَوَّلُ:
مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ ... إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ
عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ ... تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ
وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي بَاحَ بِهِ الْحَلَّاجُ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي يَكْتُمُهَا الْعَارِفُونَ، فَلَا يَبُوحُونَ بِهَا إِلَّا لِخَوَاصِّهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا قُتِلَ الْحَلَّاجُ ; لِأَنَّهُ بَاحَ بِهَذَا السِّرِّ وَيُنْشِدُونَ:
مَنْ بَاحَ بِالسِّرِّ كَانَ الْقَتْلُ شِيمَتَهُ ... بَيْنَ الرِّجَالِ وَلَمْ يُؤْخَذْ لَهُ ثَارُ
وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ فِي دَعْوَاهُمُ الِاتِّحَادَ وَالْحُلُولَ بِغَيْرِ الْمَسِيحِ، شَرٌّ مِنَ النَّصَارَى.
فَإِنَّ الْمَسِيحَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جَمَاهِيرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.