فأما القسم الأول: وهو ما كان مشروعا في الشريعتين، أو ما كان مشروعا لنا وهم يفعلونه، فهذا كصوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع - المخالفة في صفة ذلك العمل، كما سن لنا صوم تاسوعاء وعاشوراء، كما أمرنا بتعجيل الفطور والمغرب مخالفة لأهل الكتاب، وبتأخير السحور مخالفة لأهل الكتاب.
وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود، وهذا كثير في العبادات،
وكذلك في العادات، قال صلى الله عليه وسلم:"اللحد لنا والشق لغيرنا"وسن توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة؛ تمييزا لها عن مقابر الكافرين، فإن أصل الدفن من الأمور المشروعة، في الأمور العادية، ثم قد اختلفت الشرائع في صفته، وهو أيضا فيه عبادات، ولباس النعل في الصلاة فيه عبادة وعادة، ونزع النعل في الصلاة شريعة كانت لموسى عليه السلام، وكذلك اعتزال الحيض ونحو ذلك من الشرائع التي جامعناهم في أصلها، وخالفناهم في وصفها.
القسم الثاني: ما كان مشروعا ثم نسخ بالكلية: كالسبت أو إيجاب صلاة، أو صوم، ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا، سواء كان واجبا عليهم فيكون عبادة، أو محرما عليهم فيتعلق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر على وجه التدين بذلك، وكذلك ما كان مركبا منهما، وهي الأعياد التي كانت مشروعة لهم، فإن العيد المشروع يجمع عبادة. وهو ما فيه من صلاة، أو ذكر، أو صدقة، أو نسك، ويجمع عادة، وهو ما يفعل فيه
من التوسع في الطعام واللباس، أو ما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواضبة واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب، ونحو ذلك.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم - لما زجر أبو بكر رضي الله عنه الجويريتين عن الغناء في بيته:"دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا، وإن هذا عيدنا"وكان الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم.