فهرس الكتاب

الصفحة 4339 من 9238

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 17] مَعْنَاهُ: مَا أَصَبْتَ إِذْ حَذَفْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَصَابَ، فَالْمُضَافُ إِلَيْهِ الْحَذْفُ بِالْيَدِ، وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْإِيصَالُ إِلَى الْعَدُوِّ وَإِصَابَتُهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الرَّامِيَ [وَالرَّمْيَ] ، قَالُوا: كَانَ هُوَ الرَّامِيَ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لِكَوْنِهِ خَالِقًا لِرَمْيِهِ لَاطَّرَدَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ، فَكَانَ يَقُولُ:

وَمَا مَشَيْتَ إِذَا مَشَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ مَشَى، وَمَا لَطَمْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ لَطَمَ، وَمَا طَعَنْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ طَعَنَ، وَمَا ضَرَبْتَ بِالسَّيْفِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ، وَمَا رَكِبْتَ الْفَرَسَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَكِبَ، وَمَا صُمْتَ، وَمَا صَلَّيْتَ، وَمَا حَجَجْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ صَامَ وَصَلَّى وَحَجَّ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانُ هَذَا كُلِّهِ، وَهَذَا مِنْ غُلُوِّ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ. وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ لَمَّا حُصِرَ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تَرْمُونَنِي؟ فَقَالُوا: مَا رَمَيْنَاكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَاكَ. فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ رَمَانِي لَأَصَابَنِي، وَلَكِنْ أَنْتُمْ تَرْمُونَنِي وَتُخْطِئُونَنِي.

وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْقَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. كَمَا احْتَجَّ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 17] وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ. فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ فِي عَبْدٍ فِعْلًا، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ صَوَابًا مِنَ الْعَبْدِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ فِي الْجِسْمِ طَعْمًا أَوْ رِيحًا، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَيِّبًا، وَإِذَا خَلَقَ لِلْعَبْدِ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا نَاطِقًا. فَاسْتِنَادُ الْكَذِبِ الَّذِي فِي النَّاسِ، كَاسْتِنَادِ جَمِيعِ مَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ وَالْأَحْوَالِ الْمَذْمُومَةِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مَذْمُومٌ، وَلَا أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ. وَلَكِنَّ لَفْظَ"الِاسْتِنَادِ"لَفْظٌ مُجْمَلٌ. أَتُرَاهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَنَدَ إِلَيْهِ الْعَجْزُ الْمَخْلُوقُ فِي النَّاسِ لِكَوْنِهِ خَالِقَهُ، يَكُونُ هُوَ عَاجِزًا؟ فَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ هَذِهِ الْحُجَّةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت