فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ، وَهُوَ لَا يَتْلُو شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُعَلِّمُهُ، وَلَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ الَّذِي لَوْ شَاءَ مَا تَلَاهُ عَلَيْهِمْ وَلَا أَدْرَاهُمْ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ عَلَيْهِمْ وَإِدْرَاؤُهُمْ بِهِ هُوَ مِنَ الْإِعْلَامِ بِالْغُيُوبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِرْسَالِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، لَا مِنَ الْكَوْنِيِّ الَّذِي قَدَّرَهُ، وَهُوَ لَا يُحِبُّهُ، وَلَا يَرْضَاهُ؛ كَإِرْسَالِ الشَّيَاطِينِ، وَلِهَذَا كَانُوا يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُعْطُوهُ حَتَّى يَكُونَ مِنْ أَغْنَاهُمْ، وَأَنْ يُزَوِّجُوهُ مَا شَاءَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَيَقُولُ:""لَوْ وَضَعْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شَمَالِي عَلَى أَنْ أَدَعَ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَدَعَهُ""، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ
مَطْلُوبُ النُّفُوسِ مِنَ الدُّنْيَا (السُّلْطَانُ وَالْمَالُ وَالنِّسَاءُ) ، فَيُعْرِضُ عَنْ قَبُولِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ غَايَةُ أَمَانِي طَالِبِهَا، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدَعَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.