وَكَمَا أَنَّ إِخْبَارَهُ عَنْ أُمُورِ الْغَيْبِ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّبُوَّةَ إِنْبَاءٌ مِنَ اللَّهِ، لَيْسَ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ: (إِنَّهُ فَيْضٌ فَاضَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ) ، وَيَقُولُونَ: (إِنَّ النَّفْسَ أَوِ الْعَقْلَ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّصَلَتْ نَفْسُهُ بِهِ عَلِمَ مَا عَلِمَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ) ، وَيَقُولُونَ: (النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَتُهَا) ، وَيَقُولُونَ: (إِنَّ سَبَبَ عِلْمِهِ بِالْغَيْبِ هُوَ اتِّصَالُ نَفْسِهِ بِالنَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ) ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَأَنَّ تَحْرِيكَهَا لِلْفَلَكِ هُوَ سَبَبُ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَرْضِ، فَتَكُونُ عَالِمَةً بِمَا يَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبَّبِ. فَإِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ بَاطِلَةٍ، قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى:
مِنْهَا: إِثْبَاتُ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ.
وَمِنْهَا: دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَا سَبَبَ لِلْحَوَادِثِ إِلَّا حَرَكَةُ الْفَلَكِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُحَرِّكَ لَهُ هُوَ النَّفْسُ.
وَمِنْهَا: اتِّصَالُ نُفُوسِنَا بِتِلْكَ النَّفْسِ.