وَأَيْضًا، فَكَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ إِخْبَارُ الْكُهَّانِ عَنِ الشَّيَاطِينِ الَّتِي تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ السَّمَاءَ قَدْ حُرِسَتْ حَرَسًا شَدِيدًا خِلَافَ الْعَادَةِ، عَلِمُوا أَنَّ الشَّيَاطِينَ مُنِعُوا اسْتِرَاقَ السَّمْعِ، وَعَلِمَتِ الْجِنُّ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ قَالَتِ الْجِنُّ:
{وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا - وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن: 8 - 9] .
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَبْعَثِ كَثُرَ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، حَتَّى خَافَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِخَرَابِ الْعَالَمِ، حَتَّى نَظَرُوا هَلِ الرَّمْيُ بِالْكَوَاكِبِ الَّتِي فِي الْفَلَكِ أَمِ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ بِالشُّهُبِ، عَلِمُوا أَنَّهُ لِأَمْرٍ حَدَثَ. وَأَرْسَلَتِ
الْجِنُّ تَطْلُبُ سَبَبَ ذَلِكَ، حَتَّى سَمِعَتِ الْقُرْآنَ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِهَا.
وَقَبْلَ زَمَانِ الْبَعْثِ وَبَعْدِهِ، كَانَ الرَّمْيُ خَفِيفًا، لَمْ تَمْتَلِئْ بِهِ السَّمَاءُ كَمَا مُلِئَتْ حِينَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 221 - 223] .
وَالْأَفَّاكُ الْكَذَّابُ، وَالْأَثِيمُ الْفَاجِرُ، كَمَا قَالَ:
{لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ - نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 15 - 16] .