فَإِنَّ التَّوَكُّلَ إنَّمَا يَصِحُّ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا أُمِرَ بِهِ الْعَبْدُ. لِيَكُونَ عَابِدًا لِلَّهِ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَ بِهِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَا أَضَاعَهُ مِنْ الْأَمْرِ أَوْلَى بِهِ مِمَّا قَامَ بِهِ مِنْ التَّوَكُّلِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ كَمَا أَنَّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ وَلَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِ فَلَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَا تَرَكَهُ مِنْ التَّوَكُّلِ وَالِاسْتِعَانَةِ أَوْلَى بِهِ مِمَّا فَعَلَهُ مِنْ الْأَمْرِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ. قَالَ الشَّيْخُ:"وَعَلَامَةُ فَنَائِك عَنْك وَعَنْ هَوَاك: تَرْكُ التَّكَسُّبِ، وَالتَّعَلُّقُ بِالسَّبَبِ فِي جَلْبِ النَّفْعِ، وَدَفْعِ الضُّرِّ فَلَا تَتَحَرَّكُ فِيك بِك، وَلَا تَعْتَمِدُ عَلَيْك لَك وَلَا تَنْصُرُ نَفْسَك وَلَا تَذُبُّ عَنْك لَكِنْ تَكِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَى مَنْ تَوَلَّاهُ أَوَّلًا فَيَتَوَلَّاهُ آخِرًا. كَمَا كَانَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِك مُغَيَّبًا فِي الرَّحِمِ وَكَوْنِك رَضِيعًا طِفْلًا فِي مَهْدِك".
قُلْت: وَهَذَا لِأَنَّ النَّفْسَ تَهْوَى وُجُودَ مَا تُحِبُّهُ وَيَنْفَعُهَا، وَدَفْعَ مَا تُبْغِضُهُ وَيَضُرُّهَا فَإِذَا فَنِيَ عَنْ ذَاكَ بِالْأَمْرِ فَعَلَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَتَرَكَ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ فَاعْتَاضَ بِفِعْلِ مَحْبُوبِ اللَّهِ عَنْ مَحْبُوبِهِ وَبِتَرْكِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ عَمَّا يُبْغِضُهُ، وَحِينَئِذٍ فَالنَّفْسُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ. وَ"الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ"ذَكَرَ هُنَا التَّوَكُّلَ دُونَ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَكِّلَةً عَلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَاثِقَةً بِهِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْ ذَلِكَ فَتَمْتَثِلُ الْأَمْرَ مُطْلَقًا؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَعْصِيَ الْأَمْرَ فِي جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ فَلَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ لِلَّهِ، وَطَاعَةُ أَمْرِهِ بِدُونِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا} {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} .
وَ (الْمَقْصُودُ) أَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ التَّوَكُّلِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَمَنْ كَانَ وَاثِقًا بِاللَّهِ أَنْ يَجْلِبَ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ مَا يَضُرُّهُ أَمْكَنَ أَنْ يَدَعَ هَوَاهُ وَيُطِيعَ أَمْرَهُ وَإِلَّا فَنَفْسُهُ لَا تَدَعُهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَقُولُ إنَّهُ مُحْتَاجٌ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ.