فهرس الكتاب

الصفحة 5893 من 9238

كَانَ فِي النُّصُوصِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ دَرْكِ التَّفْصِيلِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ مُجْمَلًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ. عَلَى أَنَّ الْوُجُوهَ الْأَسَاطِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُحُولِ: مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْعَقْلَ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْيَقِينِ فِي عَامَّةِ الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالْوَاجِبُ تَلَقِّي عِلْمِ ذَلِكَ مِنْ النُّبُوَّاتِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا وَأَنَّهُ بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِالْخَلْقِ وَالْبَعْثِ كَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مَا هَدَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَكَشَفَ بِهِ مُرَادَهُ. وَمَعْلُومٌ لِلْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ مَنْ غَيْرِهِ بِذَلِكَ وَأَنْصَحُ مَنْ غَيْرِهِ لِلْأُمَّةِ وَأَفْصَحُ مَنْ غَيْرِهِ عِبَارَةً وَبَيَانًا بَلْ هُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِذَلِكَ وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْأُمَّةِ وَأَفْصَحُهُمْ فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ كَمَالُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَوْ الْفَاعِلَ إذَا كَمُلَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ:

كَمُلَ كَلَامُهُ وَفِعْلُهُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ إمَّا مِنْ نَقْصِ عِلْمِهِ وَإِمَّا مَنْ عَجْزِهِ عَنْ بَيَانِ عِلْمِهِ وَإِمَّا لِعَدَمِ إرَادَتِهِ الْبَيَانَ. وَالرَّسُولُ هُوَ الْغَايَةُ فِي كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْغَايَةُ فِي كَمَالِ إرَادَةِ الْبَلَاغِ الْمُبِينِ وَالْغَايَةُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى الْبَلَاغِ الْمُبِينِ - وَمَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَالْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ: يَجِبُ وُجُودُ الْمُرَادِ؛ فَعُلِمَ قَطْعًا أَنَّ مَا بَيَّنَهُ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: حَصَلَ بِهِ مُرَادُهُ مِنْ الْبَيَانِ وَمَا أَرَادَهُ مِنْ الْبَيَانِ فَهُوَ مُطَابِقٌ لِعِلْمِهِ وَعِلْمُهُ بِذَلِكَ أَكْمَلُ الْعُلُومِ. فَكُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْهُ أَوْ أَكْمَلُ بَيَانًا مِنْهُ أَوْ أَحْرَصُ عَلَى هَدْيِ الْخَلْقِ مِنْهُ: فَهُوَ مِنْ الْمُلْحِدِينَ لَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقَامَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت