وَأَمَّا مَنْ حَدَثَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ كَالرَّافِضَةِ الَّذِينَ حَدَثُوا فِي الْإِسْلَامِ، فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ وَالِافْتِرَاقِ، وَكَالْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمُ النَّصُّ، فَلَمْ يَدْخُلُوا فِيمَنْ وُصِفَ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُمْ أَوَّلًا لَيْسُوا مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا.
وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِنْ الِاسْتِخْلَافِ وَالتَّمْكِينِ وَالْأَمْنِ بَعْدَ الْخَوْفِ مَا حَصَلَ لِلصَّحَابَةِ، بَلْ لَا يَزَالُونَ خَائِفِينَ مُقَلْقَلِينَ غير ممكنين.
فإن قيل لما قَالَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ منهم وَلَمْ يَقُلْ وَعَدَهُمْ كُلَّهُمْ. قِيلَ كَمَا قَالَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلَمْ يَقُلْ وَعَدَكُمْ.
وَ"مِنْ"تَكُونُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ فَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الْمَجْرُورِ بِهَا شَيْءٌ خَارِجٌ، عَنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فاجتنبوْا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَان} فإنه لا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَوْثَانِ مَا لَيْسَ برجس، وإذا قلت ثوبا مِنْ حَرِيرٍ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ ثَوْبُ حَرِيرٍ، وَكَذَلِكَ قولك باب من حديد فهو، كَقَوْلِكَ بَابُ حَدِيدٍ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَرِيرٌ وَحَدِيدٌ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وإن كان الذي يتصوره كليا، فَإِنَّ الْجِنْسَ الْكُلِّيَّ، هُوَ مَا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا فِيهِ فِي الْوُجُودِ.