وَهَذَا هُوَ الْجِدَالُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [غافر: 4] .
وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَاجُّ الْكُفَّارَ بَعْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُجِيرَ الْمُسْتَجِيرَ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُبْلِغُهُ مَأْمَنَهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ: تَبْلِيغُ رِسَالَاتِ اللَّهِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَدْ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَفْسِيرِهِ لَهُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيُجَابُ بِهِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
عُلِمَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ نَاسِخٌ الْأَمْرَ بِالْمُجَادَلَةِ مُطْلَقًا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: إِنَّ آيَةَ مُجَادَلَةِ الْكُفَّارِ - أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يَدَّعِي نَسْخَهُ - مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قِيلَ لَهُ: مَا تَعْنِي بِآيَةِ السَّيْفِ؟ أَتَعْنِي آيَةً بِعَيْنِهَا، أَمْ تَعْنِي كُلَّ آيَةٍ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ؟
فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ، كَانَ جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْجِهَادِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا.
وَإِنْ قَالَ: أُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] .
قِيلَ لَهُ: هَذِهِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَهَا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ: