فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَيَئِسَ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ قَالَ: رَدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَلَيْهِ، فَكَانَ هَذَا آخَرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.
قُلْتُ: وَكَانَ هِرَقْلُ مِنْ أَجَلِّ مُلُوكِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ أَخْبَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ إِلَى الْآنِ بَاقٍ عِنْدِ ذُرِّيَّةِ هِرَقْلَ فِي أَرْفَعِ صُوَانٍ وَأَعَزِّ مَكَانٍ يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَأَخْبَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ بَاقٍ إِلَى الْآنِ عِنْدَ الْفُنْشَ صَاحِبُ قَشْتَالَةَ، وَبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ يَفْتَخِرُونَ بِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَدْ رَوَى سُنَيْدٌ وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: لَمَّا كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَ كِتَابَهُ، وَجَمَعَ الرُّومَ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ لَمْ يَحْضُرْ أُسْقُفُّهُمْ الْكَبِيرُ وَتَمَارَضَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَبَى، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَبَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَأَيْتَ مَا رَكِبُوا مِنِّي فَأَنْتَ أَطْوَعُ فِيهِمْ مِنِّي فَتَعَالَ فَادْعُهُمْ، قَالَ: وَتَأْذَنُ لِي فِي ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ هُوَ ذَا أَجِيءُ، قَالَ: فَجَاءَ بِسَوَادِهِ إِلَى كَنِيسَتِهِمُ الْعُظْمَى، فَلَمَّا رَأَوْهُ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا الْمَلِكُ وَغَيْرُهُ، فَقَامَ فِي الْمَذْبَحِ فَقَالَ: يَا أَبْنَاءَ الْمَوْتَى، هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَنَخَرُوا وَوَثَبُوا إِلَيْهِ فَعَضُّوهُ بِأَفْوَاهِهِمْ حَتَّى قَتَلُوهُ، قَالَ: وَجَعَلُوا يُخْرِجُونَ أَضْلَاعَهُ بِالْكَلْبَتَيْنِ حَتَّى مَاتَ.