وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْفَارِضِ: وَشَاهِدْ إذَا اسْتَجْلَيْت ذَاتَك مَنْ تَرَى بِغَيْرِ مِرَاءٍ فِي الْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ أَغَيْرُك فِيهَا لَاحَ أَمْ أَنْتَ نَاظِرٌ إلَيْك بِهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأَشِعَّةِ؟ فَهَذَا تَمْثِيلٌ فَاسِدٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاظِرَ فِي الْمِرْآةِ يَرَى مِثَالَ نَفْسِهِ فَيَرَى نَفْسَهُ بِوَاسِطَةِ الْمِرْآةِ لَا يَرَى نَفْسَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَقَوْلُهُمْ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ بَاطِلٌ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَيْسَ هَذَا مُطَابِقًا لَهُ.
وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِعُمُومِ الْوَحْدَةِ وَالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَتَخْصِيصُهُمْ بَعْدَ هَذَا آدَمَ أَوْ نَحْوَ الْمَسِيحِ يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ بِالْعُمُومِ وَإِنَّمَا يَخُصُّ الْمَسِيحَ وَنَحْوَهُ مَنْ يَقُولُ بِالِاتِّحَادِ الْخَاصِّ كَالنَّصَارَى وَالْغَالِيَةِ مِنْ الشِّيعَةِ وَجُهَّالِ النُّسَّاكِ وَنَحْوِهِمْ.
وَأَيْضًا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَرَى نَفْسَهُ فِي الْمِرْآةِ: فَالْمِرْآةُ خَارِجَةٌ عَنْ نَفْسِهِ فَيَرَى نَفْسَهُ أَوْ مِثَالَ نَفْسِهِ فِي غَيْرِهِ وَالْكَوْنُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ فِيهِ غَيْرٌ وَلَا سِوَى فَلَيْسَ هُنَاكَ مَظْهَرٌ مُغَايِرٌ لِلظَّاهِرِ وَلَا مِرْآةٌ مُغَايِرَةٌ لِلرَّائِي. وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْكَوْنَ مَظَاهِرُ الْحَقِّ) فَإِنْ قَالُوا: الْمَظَاهِرُ غَيْرُ الظَّاهِرِ لَزِمَ التَّعَدُّدُ وَبَطَلَتْ الْوَحْدَةُ وَإِنْ قَالُوا: الْمَظَاهِرُ هِيَ الظَّاهِرُ لَمْ يَكُنْ قَدْ ظَهَرَ شَيْءٌ فِي شَيْءٍ وَلَا تَجَلَّى شَيْءٌ فِي شَيْءٍ وَلَا ظَهَرَ شَيْءٌ لِشَيْءِ وَلَا تَجَلَّى شَيْءٌ لِشَيْءِ وَكَانَ قَوْلُهُ:
وَشَاهِدْ إذَا اسْتَجْلَيْت نَفْسَك مَنْ تَرَى
كَلَامًا مُتَنَاقِضًا؛ لِأَنَّ هُنَا مُخَاطِبًا وَمُخَاطَبًا وَمِرْآةً تُسْتَجْلَى فِيهَا الذَّاتُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَعْيَانٍ فَإِنْ كَانَ الْوُجُودُ وَاحِدًا بِالْعَيْنِ بَطَلَ هَذَا الْكَلَامُ وَكُلُّ كَلِمَةٍ يَقُولُونَهَا تَنْقُضُ أَصْلَهُمْ.