قَالُوا: وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمُحَمَّدٍ، وَمَنْ رَامَ صَرْفَ نُبُوَّةِ حَبْقُوقَ هَذِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَامَ سِتْرَ النَّهَارِ، وَحَبْسَ الْأَنْهَارِ، وَأَنَّى يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟! وَقَدْ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وَسَيْرِ الْمَنَايَا أَمَامَهُمْ، وَاتِّبَاعِ جَوَارِحِ الطَّيْرِ آثَارَهُمْ. وَهَذِهِ النُّبُوَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ، وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَيْهِ، فَمَنْ حَاوَلَ صَرْفَهَا عَنْهُ فَقَدْ حَاوَلَ مُمْتَنِعًا. وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا مَجِيءَ نُورِ اللَّهِ مِنَ التَّيَمُّنِ - وَهِيَ نَاحِيَةُ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ - فَإِنَّ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَكُونُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَمُحَمَّدٌ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ
الْيَمَنِ، وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ - كَمَا قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ - وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ النِّزَاعُ فِيهِ.
وَأَمَّا امْتِلَاءُ السَّمَاءِ مِنْ بَهَاءِ أَحْمَدَ، بِأَنْوَارِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَامْتِلَاءُ الْأَرْضِ مِنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ أُمَّتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ، فَأَمْرٌ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ أُمَّتَهُ هُمُ الْحَمَّادُونَ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَخُطْبَةٍ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُصَلٍّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَنْ يَقُولُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2 - 4] .
فَإِذَا قَالَ:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .
قَالَ اللَّهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي.
فَإِذَا قَالَ:
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] .