وَعَلِيٌّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لَكَانَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَى قَرِيبِهِ، وَهَذِهِ أَسْبَابٌ قَدْ يُضَافُ الْفِعْلُ إِلَيْهَا بِخِلَافِ إِنْفَاقِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ إِلَّا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ فَكَانَ مِنْ أَحَقِّ الْمُتَّقِينَ بِتَحْقِيقِ قَوْلِهِ: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} ، وَقَوْلُهُ: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [سُورَةُ اللَّيْلِ: 17 - 20] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَالْمَعْنَى: لَا يَقْتَصِرُ فِي الْعَطَاءِ عَلَى مَنْ لَهُ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ يُكَافِئُهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ الْوَاجِبِ لِلنَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ تُجْزَى لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذِهِ الْمُعَاوَضَةِ، فَيَكُونُ عَطَاؤُهُ خَالِصًا لِوَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ لِغَيْرِهِ نِعْمَةٌ يَحْتَاجُ أَنْ يَجْزِيَهُ بِهَا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْطِيَهُ مُجَازَاةً عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي مَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِذَا أَعْطَى مَالَهُ يَتَزَكَّى فِي مُعَامَلَتِهِ لِلنَّاسِ دَائِمًا يُكَافِئُهُمْ وَيُعَاوِضُهُمْ وَيُجَازِيهِمْ، فَحِينَ إِعْطَائِهِ مَالَهُ يَتَزَكَّى لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى.