والكلام من المصطلحات التي ولدت بولادة النحو، فقد جاء في الروايات أنّ الاِمام عليًّا رضي الله عنهألقى إلى أبي الاَسود الدؤلي صحيفة جاء فيها: «الكلام كلّه: اسم وفعل وحرف» (3) .
وأوّل تعريف اصطلاحي وجدته للكلام هو قول الرمّاني (ت 384 هـ) : «الكلام ما كان من الحروف دالًاّ بتأليفه على معنى» (4) . وواضح أنّه غير مانع من دخول الكلمة والتراكيب الناقصة كالمضاف والمضاف إليه، والصفة والموصوف.
وعرّفه ابن جنّي (ت 392 هـ) بقوله: «الكلام كلّ لفظ مستقلّ بنفسه، مفيد لمعناه، وهو الذي يسمّيه النحويّون الجمل» (5) ، وتابعه عليه ابن يعيش (ت 643 هـ) (6) .
ويريد بالمستقلّ «ما كان من الاَلفاظ قائمًا برأسه، غير محتاج[في
(3) أـ إنباه الرواة على أنباه النحاة، القفطي، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم 1>39.
ب ـ معجم الاَُدباء، ياقوت 14>49.
ج ـ الاَشباه والنظائر في النحو، السيوطي، تحقيق عبد العال مكرم 1>12 ـ 13.
(4) الحدود في النحو، الرماني، ضمن كتاب (رسائل في النحو واللغة) تحقيق مصطفى جواد ويوسف مسكوني، ص 42.
(5) الخصائص، ابن جنّي، تحقيق محمّد علي النجّار 1>17.
(6) شرح المفصّل، ابن يعيش 1>20.
الدلالة على معناه] إلى متمّم له» (7) ، ويريد بالمفيد التامَّ في مقابل المفردات والمركّبات الناقصة، «فالتامّ هو المفيد، أعني الجملة وما كان في معناها من نحو: صهٍ وإيهٍ، والناقص ما كان بضدّ ذلك، نحو: زيدٍ ... وكان أخوك» (8) إذا أُريد بـ (كان) الناقصة.
وكأنّ ابن جنّي لاحظ أنّ قوله (مفيد) ـ بالمعنى الذي بيّنه ـ مغنٍ عن تقييد اللفظ بكونه مستقلًاّ، فعاد إلى تعريف الكلام بأنّه: أصوات تامّة مفيدة (9) .
ويلاحظ عليه:
أوّلًا: أنّ الصوت «جنس بعيد؛ لانطلاقه على ذي الحروف وغيرها» (10) .
ثانيًا: أنّ (التامّة) و (المفيدة بمعنىً واحد، فكان ينبغي الاقتصار على إحداهما.
وقال الحريري (ت 516 هـ) : «الكلام عبارة عمّا يحسن السكوت عليه، وتتمُّ الفائدة به» (11) ، وتابعه عليه السرمدي (ت 776 هـ) (12) .
ومراده بـ (ما) اللفظ، وكان الاََوْلى التصريح به، وقوله (وتتمّ الفائدة به) تفسير لِما قبله، فيحسن الاكتفاء بأحدهما عن الآخر.
وقال في شرحه: «ولا يأتلف [الكلام] من أقلّ من كلمتين، فأمّا
(7) الخصائص، 1>21.
(8) الخصائص، ابن جنّي 1>18.
(9) الخصائص، ابن جنّي 1>18.
(10) شرح الاَزهرية في علم العربية، خالد الاَزهري، ص 11.
(11) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري، ص 2.
(12) شرح اللؤلؤة، السرمري، مخطوط مصوّرته لديّ 5> ب.
قولك: صه، بمعنى اسكت، ومه، بمعنى اكفف، ففي كلٍّ منهما ضمير مستتر للمخاطب، والضمير المستتر يجري مجرى الاسم ظاهرًا» (14) .
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله: «الكلام هو المركّب من كلمتين أُسندت إحداهما إلى الاَُخرى» (14) .
وقال ابن يعيش في شرحه: إنّ مراده «بالمركّب اللفظ المركّب، فحذف المركب لظهور معناه، وقوله: (من كلمتين) فصل احترز به عمّا يتألّف من الحروف، نحو الاَسماء المفردة ... وقوله: (أُسندت إحداهما إلى الاَُخرى) فصل ثانٍ احترز به عن مثل معدي كرب وحضر موت، وذلك أنّ التركيب على ضربين: تركيب إفراد ... [وهو] أن تأتي بكلمتين فتركّبهما وتجعلهما كلمة واحدة بإزاء حقيقة واحدة ... ولا تفيد هذه الكلم بعد التركيب ... وتركيب الاِسناد أن تركّب كلمة مع كلمة تنسب إحداهما إلى الاَُخرى ... على السبيل الذي به يحسن موقع الخبر وتمام الفائدة» (15) .
وإنّما عبّر بالاِسناد دون الاِخبار؛ لاَنّ الاِسناد أعمّ؛ إذ يشمل النسبة التي في الكلام الخبري والطلبي والاِنشائي (16) .
وقام ابن الحاجب (ت 646 هـ) باختزال تعريف الزمخشري، فقال: «الكلام ما تضمّن كلمتين بالاِسناد» (17) .
وجرى أبو حيّان (ت 745 هـ) مجراهما في التعريف، فقال: «الكلام
(13) شرح على متن ملحة الاِعراب، ص 2.
(14) المفصّل في علم العربيّة، الزمخشري، ص 6.
(15) شرح المفصّل، ابن يعيش، 1>20.
(16) أ ـ شرح الرضي على الكافية، تحقيق يوسف حسن عمر 1>33.
ب ـ شرح المفصّل، ابن يعيش 1>20.
(17) شرح الرضي على الكافيه 1>31.
(يُتْبَعُ)