قول دالّ على نسبة إسنادية» (18) ، وإن كان يفضلهما من حيث إنّه لم يذكر تركّب الاِسناد من كلمتين، ممّا قد يوهم ـ رغم صحّته ـ عدم جواز تركّب الكلام من أكثر من كلمتين.
وقد لاحظ عليه ابن هشام أنّ «مقتضاه أنّ الكلام لا يختصّ بالمفيد؛ لاَنّ الحدّ صادق على كلٍّ من جملتَي الشرط والجزاء، والجملة الواقعة صلة، مع أنّ كلًاّ من ذلك غير مفيد» (19) .
وعرّفه ابن الاَنباري (ت 577 هـ) بقوله: الكلام «ما كان من الحروفِ دالًاّ بتأليفه على معنىً يحسن السكوت عليه» (20) .
وهو اصطلاح لتعريف الرمّاني المتقدّم، بنحو يجعله مانعًا من دخول الكلمة والمركّبات الناقصة، إلاّ أنّه ـ كالحريري ـ أطال في مقدّمته، وكان بوسعه الاستغناء عن عبارة (ما كان من الحروف دالاًّ بتأليفه) بقوله: (اللّفظ الدالّ) ، وهذا ما فعله ابن الناظم (ت 686 هـ) إذ قال: «الكلام ... هو اللفظ الدالّ على معنىً يحسن السكوت عليه» (21) .
وعرّفه الشلوبيني (ت 645 هـ) بأنّه «لفظ مركّب وجودًا أو نيّةً، مفيد بالوضع ... والمركّب نيّةً كقولك: قم واقعد» (22) ، وتابعه عليه ابن عصفور (ت 669 هـ) (23) .
ويلاحظ عليه أن تقسيمه التركيب إلى وجودي وتقديري، ليس قيدًا
(18) أـ شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، تحقيق هادي نهر 1>229.
ب ـ غاية الاِحسان في علم اللسان، أبو حيّان، مخطوط مصوّرته لديّ، 2> أ.
(19) شرح اللمحة البدرية، ابن هشام، 1>229 ـ 230.
(20) أسرار العربية، ابن الاَنباري، تحقيق محمّد بهجة البيطار، ص 3.
(21) شرح ابن الناظم على الاَلفية، ص 3.
(22) التوطئة، الشلوبيني، تحقيق يوسف أحمد المطوّع، ص 112.
(23) المقرّب، ابن عصفور، تحقيق أحمد الجواري وعبدالله الجبوري 1>45.
احترازيًّا، وإنّما هو مجرّد إيضاح لنوعَي المركب، فكان يحسن إدراجه في شرح التعريف كما فعل الحريري في تعريفه المتقدّم، ولعلّه لاَجل ذلك عمد ابن معطي (ت 668 هـ) إلى إجراء بعض التعديل على الحدّ، فقال: «الكلام هو اللفظ المركّب المفيد بالوضع» (24) .
ومراده بالوضع «أن يدلّ [اللفظ] على معنىً عيّنه الواضع بإزائه» (25) .
وتشير بعض المصادر إلى أنّ أوّل من أدخل قيد (الوضع) في حدّ الكلام هو أبو موسى الجزولي (ت 607 هـ) (26) ، وتابعه على ذلك تلميذه ابن معطي والشلوبيني وابن عصفور.
ولم يرَ بعض النحاة ضرورة لاِثبات قيد (الوضع) ؛ «لاَنّ الصحيح اختصاصه بالمفردات، والكلام خاصّ بالمركّبات، ودلالتها غير وضعيّة على الاَصحّ» (27) ، بل قد يقال بعدم الاحتياج له حتّى لو كانت دلالة المركّبات بالوضع؛ لاَنّه ليس ذاتيًّا للكلام ليدخُل في حدّه، ولاَنّه ليس قيدًا احترازيًا عن شيء ما دام الكلام على اللغة وليست دلالتها إلاّ بالوضع.
وطرح ابن مالك (ت 672 هـ) تعريفين للكلام:
أوّلهما: «الكلام ما تضمّن من الكلم إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاته» (28) .
وممّا قاله السلسيلي في شرحه: «قوله: (مفيدًا) احترز به من المتضمّن إسنادًا، لكنّه غير مفيد، نحو قولهم: النار حارّة والسماءُ فوقَ الاَرضِ، قوله:
(24) الفصول الخمسون، ابن معطي، تحقيق محمود الطناحي، ص 149.
(25) حاشية الشيخ ياسين على شرح التصريح 1>20.
(26) المحصول 1>ب، شرح الفصول 1>أ نقلًا عن مقدّمة محقّق كتاب الفصول الخمسون، ص 113.
(27) شرح الاَزهرية في علم العربية، خالد الاَزهري، ص 15.
(28) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات، ص 3.
(مقصودًا) احترز به من حديث النائم، ومحاكاة بعض الطيور للاِنسان، قوله: (لذاته) احترز به من المقصود لغيره، كالجملة الموصول بها والمضاف إليها» (29) .
وواضح من كلامه أنّه يشترط لكون الكلام مفيدًا، مضافًا لدلالته على معنىً يحسن السكوت عليه، أن يزوّد السامع بعلم جديد، بأن لا يكون مضمونه معلوم الثبوت أو الانتفاء بالضرورة، وقد وافقه على هذا كلّ من الاَشموني (ت 900 هـ) (30) والاَزهري (ت 905 هـ) (31) ، وهو شرط لا يمكن قبوله؛ لاَنّ تضمُّن الكلام لعلم جديد على السامع ليس داخلًا في حقيقته «وإلاّ لكان الشيء الواحد، كلامًا وغير كلام، إذا خوطب به من يجهله فاستفاد مضمونه، ثمّ خوطب به ثانيًا» (32) ، أو خوطب به شخصان أحدهما يجهل مضمونه والآخر يعلمه.
(يُتْبَعُ)