ولا ضرورة أيضًا للتقييد بكون الكلام (مقصودًا) لاِخراج حديث النائم ومحاكاة الطيور؛ أمّا حديث النائم فهو داخل في الكلام إنْ تضمّن معنىً يصحّ السكوت عليه، وأمّا محاكاة الطيور، فلا تتبادر إلى الذهن من تعريف الكلام ليحترز منها.
وأمّا التعريف الثاني، فهو ما ذكره في أُرجوزته الاَلفية من قوله: «كلامنا لفظ مفيد، كاستقم» .
وقد اختلف شرّاحه في قوله: (كاستقم) ، فقال بعضٌ إنّه مثال بعد تمام
(29) شفاء العليل في إيضاح التسهيل، السلسيلي، تحقيق عبدالله البركاتي 1>96 ـ 97.
(30) شرح الاَشموني على الاَلفية، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 1>8.
(31) شرح الاَزهرية في علم العربيّة، الاَزهري، ص 13.
(32) همع الهوامع، السيوطي 1>30.
الحدّ، وذهب بعضٌ آخر إلى أنّه تتميم للحدّ، ومنشأ الخلاف هو تحديد المراد من قوله: (مفيد) ؛ لاَنّ هذه الكلمة قد استعملت من قبل النحاة في ثلاثة معانٍ:
أوّلها: ما دلّ على معنىً مطلقًا، سواءً صحّ السكوت عليه أم لا، ومن شواهد ذلك تقييد بعضهم له بما يدلّ على إرادة خصوص التامّ، كقول الحريري: «وتتمّ به الفائدة» (33) ، وقول ابن الخشّاب: «فائدة يحسن السكوت عليها» (34) ، وقول العكبري: «الكلام عبارة عن الجملة المفيدة فائدة تامّة» (35) .
والثاني: ما دلّ على خصوص المعنى الذي يحسن السكوت عليه، وقد تقدّم استعمال ابن جنّي له بهذا المعنى، ومن شواهده قول ابن الاَنباري بعد تعريفه الكلام بما كان من الحروف دالًاّ بتأليفه على معنىً يحسن السكوت عليه: الفرق بين الكلم والكلام «أنّ الكلم ينطلق على المفيد وغير المفيد، أمّا الكلام فلا ينطلق إلاّ على المفيد خاصّة» (36) .
والثالث: ما دلّ على معنىً يحسن السكوت عليه، ولم يكن معناه ضروريّ الثبوت والانتفاء، وقد مرّ بيانه عند الكلام على التعريف الاَوّل لابن مالك.
وقد ذهب أغلب شرّاح الاَلفية إلى إرادة المعنى الاَوّل للاِفادة، وأنّ قوله: (كاستقم) تتميم للحدّ، ومن هؤلاء ابن الناظم (37) ، والمكودي (38) ،
(33) شرح على متن ملحة الاِعراب، الحريري، ص 2.
(34) المرتجل، ابن الخشّاب، تحقيق علي حيدر، ص 340.
(35) مسائل خلافية في النحو، أبو البقاء العكبري، تحقيق محمّد خير الحلواني، ص 31.
(36) أسرار العربية، ابن الاَنباري، ص 3.
(37) شرح الاَلفية، ابن الناظم، ص 3.
والاَشموني (39) .
وذهب المرادي إلى إرادة المعنى الثاني، وحمل (استقم) على التمثيل بعد تمام الحدّ (40) .
وقال الملوي بهذا الشأن: «قال شيخنا: الخلاف لفظيّ، فمن حمل المفيد على المفيد مطلقًا، قال: تتميم، ومن حمله على الفائدة التامّة جعله تمثيلًا بعد تمام الحدّ» (41) .
والذي اتّضح ممّا عرضناه أنّ الخلاف بينهم معنويٌّ وليس لفظيًّا؛ لاَنّه يدور حول تحديد المعنى المراد بلفظ (الاِفادة) ، وليس اختلافًا في الاَلفاظ المعبّر بها عن معنىً واحد.
وممّا قيل في شرح التعريف الثاني: «وعلم من تفسير المفيد بما ذكر أنّه لا يحتاج إلى قولهم: (المركّب) ؛ لاَنّ المفيد الفائدة المذكورة يستلزم التركيب، ولا إلى قولهم: (المقصود) ؛ لاَنّ حسن سكوت المتكلّم يستدعي أن يكون قاصدًا لِما تكلّم به» (42) .
وحصل حدّ الكلام على يد ابن هشام (ت 761 هـ) على أفضل صيغة وأحضرها، إذ عرّفه بأنّه «القول المفيد» (43) ، وأراد بالقول اللفظ الدالّ على معنى، وبالمفيد ما دلّ على معنىً يحسن السكوت عليه.
وكأنّه لاحظ أنّ قوله: (مفيد) يغني عن أخذ الدلالة على المعنى في
(39) شرح الاَلفية، الاشموني، 1>8.
(40) شرح الاَلفية، المكودي، ص 6.
(41) حاشية الملوي على شرح المكودي، ص 6.
(42) أـ شرح الاَشموني على الاَلفية، ص 8.
ب ـ شرح التصريح على التوضيح، الاَزهري 1>20 ـ 21.
(43) شرح شذور الذهب، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، ص 27.
جنس الحدّ، فعاد إلى تعريف الكلام بأنّه: «اللفظ المفيد» (44) ، «والمراد باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف تحقيقًا أو تقديرًا» (45) .
(44) أـ الاِعراب عن قواعد الاِعراب، ابن هشام، تحقيق رشيد العبيدي، ص 60.
ب ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 1>11.
(45) أوضح المسالك، ابن هشام 1>11.