محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثٍ أحب إلي من حمر النعم: عن
الخليفة بعده، وعن قوم قالوا نقرُّ بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك، أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى.
ولكن في صحيح مسلم أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله عنها مررًا!!
ـ قال مسلم في: 5>61: عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أبا بكر ثم قال: إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة! ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة! وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟! وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. انتهى.
يعني أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عنها مرارًا فوضحها له مرارًا، ولكنه كرر سؤاله حتى غضب عليه النبي صلى الله عليه وآله لعدم فهمه لشرحه إياها!
بل يدل الصحيحان التاليان على أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر عمر أنه سوف لن يفهم الكلالة طول عمره، أو دعا عليه بذلك!
ـ ففي الدر المنثور: 2>250
وأخرج العدني والبزار في مسنديهما، وأبو الشيخ في الفرائض، بسند صحيح عن حذيفة قال: نزلت آية الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ له، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بحذيفة فلقاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر فلقاها إياه. فلما كان في خلافة عمر، نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتك كما لقاني، والله لا أزيدك على ذلك شيئًا أبدًا. انتهى.
ـ وفي كنز العمال: 11>80 حديث 30688 عن سعيد بن المسيب أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يورث الكلالة؟ قال: أو ليس قد بين الله ذلك، ثم قرأ: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة .. .الى آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم!
فأنزل الله: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة .. الى آخر الآية، فكأن عمر لم يفهم! فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس، فاسأليه عنها فقال: أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها أبدًا!!
فكان يقول: ما أراني أعلمها أبدًا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال!! وذكر في مصدره أن ابن راهويه أو ابن مردوية صححه.
ـ بل روى السيوطي في الدر المنثور: 2>249 أن النبي صلى الله عليه وآله قد كتبها لعمر في كتف! قال: وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن مردوية عن طاوس، أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فسألته فأملاها عليها في كتف، وقال: من أمرك بهذا أعمر؟ ما أراه يقيمها، أو ما تكفيه آية الصيف؟!!
قال سفيان: وآية الصيف التي في النساء: وإن كان رجلٌ يورث كلالةً أو امرأةٌ .. . فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت الآية التي في خاتمة النساء. انتهى.
فانظر الى هذه التناقضات في أحاديث عمر والكلالة، وكلها صحيحة!
ولاحظ أن الكلالة هي إحدى المسائل الثلاث التي قال البخاري إن النبي صلى الله عليه وآله لم يبينها للأمة، ولا سأل عمر النبي عنها .. مع أن روايتهم الصحيحة تقول إن النبي صلى الله عليه وآله قد كتب الكلالة لعمر في كتف!
وأما المسألة الثانية التي هي الخلافة، فقد روى البخاري نفسه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وآله دعا بدواة وكتف ليكتب للأمة الإسلامية كتابًا لا تضل بعده أبدًا، ولكن عمر أبى ذلك ..
وأما المسألة الثالثة، وهي أبواب الربا، فيستحيل أن لا يكون النبي صلى الله عليه وآله قد بينها وشرحها للمسلمين أيضًا، وقد يكون كتبها لعمر أو غيره في كتف أيضًا!!
دلالة هاتين القصتين
تدل هاتان القصتان على أن صحاح إخواننا فيها متناقضاتٌ لا يمكن لباحثٍ أن يقبلها جميعًا، بل لا بد له أن يرجح بعضها ويرد بعضها.
(يُتْبَعُ)