قال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والليلة التي أنزلت، ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات!
والطريف أن النسائي روى عن عمر في: 8>114، أنها نزلت في عرفات في يوم جمعة!
رابعًا: تقدم قول البخاري في روايته أن سفيان الثوري وهو من أئمة الحديث والعقيدة عندهم، لم يوافق على أن يوم عرفة كان يوم جمعة (قال سفيان وأشك كان يوم الجمعة أم لا .. ) وهناك عددٌ من الروايات تؤيد شك سفيان، بل يظهر أن سفيانًا كان قاطعًا بأن يوم عرفة في حجة الوداع لم يكن يوم جمعة، وإنما قال (أشك) مداراةً لجماعة عمر، الذين رتبوا كل الروايات لاَحداث حجة الوداع، بل وأحداث التاريخ الاِسلامي كلها .. على أساس أن يوم عرفات كان يوم جمعة، كما ستعرف.
خامسًا: أن عيد المسلمين هو يوم الاَضحى، وليس يوم عرفة، ولم أجد روايةً
تدل على أن يوم عرفة عيدٌ شرعي، فالقول بذلك مما تفرد به الخليفة عمر، ولم يوافقه عليه أحدٌ من المسلمين! وهو عند السلفيين يدخل في باب البدعة!
أما إذا أخذنا برواية النسائي القائلة إن عرفة كان يوم خميس، وأن الآية نزلت ليلة عرفة .. فلا يبقى عيدٌ حتى يصطدم به العيد النازل من السماء، ولا يحتاج الاَمر الى قانون إدغام الاَعياد الاِلَهية المتصادمة، كما ادعى الخليفة!.
فيكون معنى جواب الخليفة على هذه الرواية أن يوم نزول آية إكمال الدين يستحق أن يكون عيدًا، ولكن آيته نزلت قبل العيد بيومين، فلم نتخذ يومها عيدًا!
وهذا كلام متهافت!
سادسًا: أن قول عمر يناقض ما رووه عن عمر نفسه بسندٍ صحيحٍ أيضًا .. فقد فهم هذا اليهودي من الآية أن الله تعالى قد أكمل تنزيل الاِسلام وختمه في يوم نزول الآية، وقبل عمر منه هذا التفسير .. فلا بد أن يكون نزولها بعد نزول جميع الفرائض، فيصح على رأيه ما قاله أهل البيت عليهم السلام وما قاله السدي وابن عباس وغيرهما من أنه لم تنزل بعدها فريضةٌ ولا حكم.
مع أن الخليفة عمر قال إن آية إكمال الدين نزلت قبل آيات الكلالة، وأحكام الاِرث، وغيرها، كما تقدم .. فوجب على مذهبه أن يقول لليهودي: ليس معنى الآية كما ظننت، بل كان بقي من الدين عدة أحكامٍ وشرائع نزلت بعدها، وذلك اليوم هو الجدير بأن يكون عيدًا!
وعندما تتعارض الروايات عن شخصٍ واحد وتتناقض، فلا بد من التوقف فيها جميعًا، وتجميد كل روايات عمر في آخر ما نزل من القرآن، وفي وقت نزول آية إكمال الدين!
ومن جهة أخرى، فقد أقر الخليفة أن (اليوم) في الآية هو اليوم المعين الذي نزلت فيه، وليس وقتًا مجملًا ولا يومًا مضى قبل سنة كفتح مكة، أو يأتي بعد شهور
مثلًا. فهو يستوجب رد قول الطبري الذي تعمد اختياره ليوافق عمر، ويستوجب رد كل الروايات التي تريد تعويم كلمة (اليوم) في الآية، أو تريد جعله يوم فتح مكة.
قال القرطبي في تفسيره: 1>143
وقد يطلق اليوم على الساعة منه قال الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وجمع يوم أيام وأصله أيوام فأدغم.
وقال في: 2>61
واليوم قد يعبر بجزء منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر ببعضه تقول: فعلنا في شهر كذا كذا وفي سنة كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهر ولا السنة، وذلك مستعملٌ في لسان العرب والعجم.
سابعًا: أن جواب الخليفة لليهودي غير مقنعٍ لا لليهودي ولا للمسلم!
فإن كان يقصد الاِعتذار بأن نزولها صادف يوم عيد، ولذلك لم نتخذ يومها عيدًا!
فيمكن لليهودي أن يجيبه: لماذا خرَّب عليكم ربكم هذا العيد وأنزله في ذلك اليوم؟!
وإن كان يقصد إدغام عيد إكمال الدين بعيد عرفة، حتى صار جزءً منه!
فمن حق سائلٍ أن يسأل: هذا يعني أنكم جعلتم يوم نزولها نصف عيد، مشتركًا مع عرفة .. فأين هذا العيد الذي لا يوجد له أثر عندكم، إلا عند الشيعة؟!
وإن كان يقصد أن هذا اليوم الشريف والعيد العظيم، قد صادف يوم جمعة ويوم عرفة، فأدغم فيهما وذاب، أو أكلاه وانتهى الاَمر!
فكيف أنزل الله تعالى هذا العيد على عيدين، وهو يعلم أنهما سيأكلانه!
(يُتْبَعُ)