عن ابن عمر قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهي منزل الاِمام الذي ينزل بعرفة،
حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. انتهى.
وأما الجواب بأن الجمعة تسقط في السفر، فهو أمر مختلفٌ عندهم فيه، ولو صح أن يوم عرفة كان يوم جمعة ولم يصل النبي صلى الله عليه وآله صلاة الجمعة، لذكر ذلك مئات المسلمين الذين كانوا في حجة الوداع!
وقد تمحل ابن حزم في الجواب عن ذلك فقال في المحلى: 7>272:
مسألة: وإن وافق الاِمام يوم عرفة يوم جمعةٍ جهرِ وهي صلاة جمعة! ويصلي الجمعة أيضًا بمنى وبمكة، لاَن النص لم يأت بالنهي عن ذلك، وقال تعالى: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع، فلم يخص الله تعالى بذلك غير يوم عرفة ومنى.
وروينا ... عن عطاء بن أبي رباح قال: إذا وافق يوم جمعة يوم عرفة، جهر الاِمام بالقراءة ... فإن ذكروا خبرًا رويناه ... عن الحسن بن مسلم قال: وافق يوم التروية يوم الجمعة وحجة النبي عليه السلام فقال: من استطاع منكم أن يصلي الظهر بمنى فليفعل، فصلى الظهر بمنى ولم يخطب ... فهذا خبرٌ موضوعٌ فيه كل بلية: ابراهيم بن أبي يحيى مذكور بالكذب متروك من الكل، ثم هو مرسل، وفيه عن ابن الزبير، مع ابن أبي يحيى الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، ثم الكذب فيه ظاهر، لاَن يوم التروية في حجة النبي عليه السلام إنما كان يوم الخميس، وكان يوم عرفة يوم الجمعة، روينا ذلك من طريق البخارى ...
فإن قيل: إن الآثار كلها إنما فيها جمع رسول الله عليه السلام بعرفة بين الظهر والعصر؟
قلنا: نعم وصلاة الجمعة هي صلاة الظهر نفسها! وليس في شيَ من الآثار أنه عليه السلام لم يجهر فيها، والجهر أيضًا ليس فرضًا، وإنما يفترق الحكم في أن ظهر يوم الجمعة في الحضر والسفر للجماعة ركعتان. انتهى.
وجواب ابن حزم: أنه صادر على المطلوب، لاَنه رد الرواية لمجرد مخالفتها لقول عمر بأن يوم عرفة لم يكن يوم جمعة!
فلماذا لم يرد قول عمر بقوله الثاني بأن عرفة كانت يوم خميس، وروايته صحيحة؟
أو بقول النسائي والثوري، والاَقوال العديدة التي ذكرها الطبري وغيره؟
ولو صح ماقاله من أن النبي صلى الله عليه وآله اعتبر ركعتي الظهر في عرفة صلاة جمعة لاَنه جهر فيهما، لاشتهر بين المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله جهر في صلاة الظهر التي لا يجهر بها لتصبح (أتوماتيكيًا) صلاة جمعة!
بل إن الرواية التي كذبها وهاجمها بسبب مخالفتها لرواية عمر تنص على أنه صلى الله عليه وآله صلى الجمعة في منى، وهي أقرب الى حساب سفره صلى الله عليه وآله من المدينة الذي كان يوم الخميس لاَربع بقين من ذي القعدة، ووصوله الى مكة يوم الخميس لاَربع مضين من ذي الحجة، وأن أول ذي الحجة كان يوم الاِثنين، فيوم عرفة يوم الثلاثاء، وعيد الاَضحى الاَربعاء، ويوم الجمعة كان ثاني عشر ذي الحجة كما سيأتي .. فيكون قول الراوي إن الجمعة كانت في منى قولًا صحيحًا، ولكنه اشتبه وحسبها قبل موقف عرفات، مع أنها كانت بعده!
تاسعًا: إن القول بأن يوم عرفة في تلك السنة كان يوم جمعة، تعارضه رواياتهم التي تقول إنه صلى الله عليه وآله عاش بعد نزول الآية إحدى وثمانين ليلةً أو ثمانين!
فقد ثبت عندهم أن وفاة النبي صلى الله عليه وآله في اليوم الثاني عشر من ربيع الاَول ومن 9 ذي الحجة الى 12 ربيع الاَول أكثر من تسعين يومًا .. فلا بد لهم إما أن يأخذوا برواية وفاته قبل ذلك فيوافقونا على أنها في 28 من صفر، أو يوافقونا على نزول الآية في يوم الغدير 18 ذي الحجة.
ـ قال السيوطي في الدر المنثور: 2>59
وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، قوله: اليوم أكملت لكم دينكم. انتهى.
ـ وذكر نحوه في: 2>257 عن البيهقي في شعب الاِيمان.
(يُتْبَعُ)