وترى أبا على في كتاب الأغفال يحتج لقراءة أبى عمرو: يومنون بالتخفيف ويختار ذلك على التحقيق [1] . ويظهر ارتياحه لقراءة أبى عمرو، وأقرأ معى ذلك النص من كتابه الحجة تر إقباله على قراءة أبى عمرو، واحتفاله بالاحتجاج لها، والتدليل عليها، ومهاجمة قراءة الكوفيين بعد أن يحتج لها في فتور: (ولا بد أن أن يحتج لها لأن هذا مهمّة في كتاب الحجة) .
قال ابن مجاهد ما ملخصه: «اختلفوا في قوله عز وجل: أأنذرتهم، وما كان مثله في كل القرآن من الهمزتين في الكلمة الواحدة: فهو بتحقيق الهمزتين عند عاصم وحمزة، والكسائى، في أحد قوليه، وابن عامر» . وهو بتخفيف الثانية وإدخال الألف بينهما عند ابن كثير وأبى عمرو، غير أن مد أبى عمرو في أأنذرتهم أطول من ابن كثير [2] .
وقال أبو على في الاحتجاج لالتقاء الهمزتين في أأنذرتهم وتحقيقهما: من حجة من حققهما أن يقول: إن الهمزة حرف من حروف الحلق، فكما اجتمع مثله في سائر حروف الحلق نحو فهّ وفههت وكعّ وكععت كذلك حكم الهمزة. وكما يجوز ذلك ويسوغه أن سيبويه زعم أن ابن إسحاق كان يحقق الهمزة، وأناس معه. قال سيبويه، وقد تكلم ببعضه العرب وهو رديء [3] ». فانظر إلى ذلك الحكم الذى نقله عن سيبويه، وبه يقرر رداءة تحقيق الهمزتين، وبالتالى يكون حكم القراءة بالتحقيق.
ثم قال: والحجة لقول من قال أأنذرتهم فلم يجمع بين الهمزتين، وخفف الثانية أن يقول: إن العرب قد رفضت جمعها في مواضع من كلامهم. وبعد أن ضرب الأمثلة لذلك قال: ففي هذا دلالة بينة على رفضهم اجتماعهما ثم عاد وكرر هذه العبارة، ثم وازن بين الهمزة وأخواتها الحلقية، ثم دفع اعتراضا قد يرد. وذكر أن العرب الزموا باب رزيئة وخطيئة القلب عما يؤدى إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا خطايا ورزايا فلو كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل كما أنه كان (كذا) وأظن (لو كان) هنا ساقطة لتحرك العينات في نحو قال وباع مجاز ما الزموهما القلب. فإن قلت: «قد حكى عن بعضهم خطاءىء (كذا) بتحقيق الهمزتين
(1) الاغفال: 60تفسير رقم 875.
(2) ملخص من سبعة ابن مجاهد: الحجة 1/ 166مراد ملا وانظر النشر في القراءات العشر لابن الجزرى: 1/ 363.
(3) الحجة: 1/ 188.