أولا: أن أبا على لم يرزق حظا من الطبع الذى هو ملاك قول الشعر، والذى بدونه لا تغنى مواده شيئا.
ثانيا: انه لم يقل هذه الأبيات الثلاثة إلا بأخرة من زمنه، بدليل أنه قالها في المشيب ما لم يكن قالها تفصحا ومحاكاة لغيره في الموضوع.
ثالثا: أنه في هذه الأبيات ينزع ذلك النزوع العقلى الذى عرف عنه، واشتهر به، فالتعليل يبدو واضحا في كل بيت من الأبيات الثلاثة:
(ا) ففي الأول منها القول بالأولى والأجدر.
(ب) وفى البيتين الآخرين تقليب الأمر على وجوهه، ثم ترجيح وجه منها.
فكأنه في هذه الأبيات الثلاثة أمام مسألة نحوية يدلل على رأيه فيها مستعينا بمناهج البحث المنطقى.
ويبدو أن أبا على بالرغم من كثرة حفظه للاشعار كان لا ينظر إلى الشعر على أنه وسيلة من وسائل التذوق الأدبى والاستمتاع الفنى، فهو إن نظهر في بيت نظر إليه من حيث الافادة اللغوية، أو الصناعة النحوية، يفتش فيه عن لفظ أو يبحث فيه عن شاهد من شواهد النحو يضيفه إلى هذه الشواهد التى رواها الأئمة السابقون، أو يستنتج منه دليلا على رأى يراه، ومن الدلائل عندى على أنه كان ينظر إلى الشعر هذه النظرة: نظرة النحوى المستشهد، لا نظرة الأديب المستمتع ما جاء في البصريات من قوله: مما أصبت مما أعمل فيه الثانى قول كثير:
قضى كل ذى دين فوفىّ غريمه ... وعزة ممطول معنّى غريمها
أعمل الثانى وهو: فوفى [1] .
وما رواه ابن جنى في مشابهة معانى الإعراب معانى الشعر، وأن الذى نبه إليه أبو على وضرب لذلك أمثلة منها: قولهم فى (لا) النافية للنكرة أنها تبنى معها فتصير كجزء واحد من الاسم نحو: لا رجل في الدار، ولا بأس عليك، وأنشد أبو على في هذا المعنى
خيط على زفرة، فتم ولم ... يرجع إلى دقة، ولا هضم [2]
(1) البصريات 68.
(2) الخصائص: 1/ 560وانظر هناك شرح البيت.
والزفرة: وسط الفرس بقال: إنه لعظيم الزفرة، وبعير مزفور شديد تلاحم المفاصل،.