فقال: «وهذا أحسن والله! لقد أطلت يا أبا الفتح، فاخبرنا من القائل؟؟
قال: «هو الذى لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب!» قال أبو على: «أظنك تعنى المتنبى!» قلت نعم! قال:
والله لقد حبّبته إلى، ونهض ودخل إلى عضد الدولة، فأطال في الثناء على أبى الطيب ولما اجتاز به استنزله واستنشده، وكتب عنه أبياتا [1] .
ومن المهم هنا أن أشير إلى ما سلكه ابن جنى من لطف المدخل، وحسن التأتي! فقد عرض أبياتا على الشيخ أبى على قصد إليها عامدا لأنها من ذلك النوع الذى يتأثر به الفارسى، وينتزع منه إعجابه.
فالأبيات في مجموعها تحتوى على مقابلات أحوال بأحوال في صورة منطقية عامة: فهى حالت دون المزار فشفه الوجد حتى حال تخوله دون العناق! وسواد الليل يشفع زائرا، وبياض الصبح يغرى به منثنيا، ثم هذا البيت المملوء كلمات نحوية:
سوف قد ثم هنا، والإشارة الدالة على معانيها، واستغلال هذه المعانى، في تصوير ما أراد الشاعر من المدح بمضاء الإرادة، وبعد الهمة! ذلك منهج تفكير أبى على النحوى المنطقى، وقد كان ابن جنى ماهرا حين عرض هذه الأبيات لاسترضاء الشيخ دون سواها، وقد مكنته هذه الصحبة الطويلة، لأبى على في الحل والارتحال إلى ذكائه من تفهم نفسية أبى على والغوص في أعماقها، والتعرف على خطواتها، فقدم إليه المتنبى وأنزله من نفسه بأبيات مليئة بالأدوات النحوية، قريبة من صنعة النحاة، وصنعة أبى على بوجه خاص. وكان لابن جنى مندوحة عن هذا الشعر المصنوع بشعر المتنبى المطبوع، ولكنها نزعة أبى على عرفها ابن جنى، ودلف إلى شيحة منها، فكان أثرها في إقبال الشيخ على المتنبى ذلك الإقبال الذى يرويه المؤرخون.
ومن هنا أرى في هذه النزعة غير ما رأى الدكتور إبراهيم سلامة، في قوله على التعميم: «بل كانوا أى النحاة أدباء ومشتغلين بالأدب في الأقل، لأن الأدب مادة عملهم، والمقياس الذى يرجعون إليه إذا اختلط عليهم الأمر [2] » .
فلم يكن نظر الكثير منهم في الأدب اشتغالا به بل كانوا أو على الأقل أبو على
(1) الصبح المنبئ على هامش العكبرى: 1/ 710.
(2) محاضرات في البلاغة والنقد: 20.