فتحه أمامهم سيبويه ولئن كان الناس قد أسمو الكتاب (قرآن النحو [1] .
إنّ هؤلاء النحاة المحتجين وجدوا فيه كذلك ما أسميه (نحو القراءات) ، وجدوا فيه مثلا للاحتجاج للقراءات المختلفة في الآيات الآتية:
«إن هذه أمتكم أمة واحدة [2] » ، «إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون [3] » .
«تلتقطه بعض السيارة [4] » ، تماما على الذى أحسن [5] ».
ولم يكن النحاة ليفوتهم هذا الجانب من كتاب سيبويه، وهم الذين اتخذوه قرآنا، أكبوا عليه، ودرسوا ما فيه.
وثالث، أن البيئة العلمية العامة أصبحت بيئة جدلية، يقوم الدين فيها على الاقتناع واليقين، لا على الاتباع والتلقين، وكان شأن الناس في القراءات شأنهم في العقائد والديانات، فلم يؤمنوا بأن الله واحد لأنهم قرءوا سورة الإخلاص، وفيها أمر بوحدانية الله، وتنزيهه عن الشركة والولد لا: بل لأنهم نظروا، وفكروا، وجادلوا، وقدروا، وانتهوا من ذلك كله إلى علم اليقين إن لم يكونوا مغرضين. وكذلك القراءات: ما سندها؟ وما حجتها؟ ولم ذهب ذلك القارئ هذا المذهب؟ وهل له معتمد من اللغة والنحو؟. ومن هنا كانت خطة هؤلاء النحاة المحتجين على ما يبدو لى من أنهم آثروا القياس والنظر، وأعملوهما فيما هو ثابت بالنقل والأثر، وهى خطة لا يرتضيها القراء، ولكن النحاة المحتجين كانوا إليها مضطرين لمواجهة المعاندين والمنكرين، في عصر شاعت فيه الزندقة، وتغشاه الإلحاد، وفيهم ملحدون يكيدون للإسلام، ويغضون من عقائد المسلمين، وينقرون عما يمكن أن يكون ثلمة في كتابهم الكريم، ويعتمدون في كيدهم وتعرضهم على مباحث الجدل، ومسائل الفلسفة والمنطق، وما فيه من تعليل وقياس وقد ألف أبو الحسين محمد بن أحمد الملطى الشافعى وهو معاصر لأبى على، وتوفى معه في عام واحد (377هـ) ألف كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع [6]
وفى ذلك دليل على ما ذاع في هذا العصر من قالة هؤلاء الملحدين، وتجرد حماة الدين
(2) مراتب النحويين الورقة 106.
(3) الكتاب: 1/ 287.
(4) الكتاب: 1/ 470والعسكريات 135.
(5) الكتاب: 1/ 25.
(6) نفس المصدر: 1/ 270.
(1) قام بطبع هذا الكتاب السيد عزت العطار الحسينى (1368هـ 1949م) وانظر ص (101) فى التعريف بالمؤلف ومنهجه في البحث بقلم المرحوم محمد زاهد الكوثرى.