والتأثر الرجعى يدل على الاستعداد، والتأهب للنطق قبل أن يلابس المتكلم النطق بالحرف وهو عندى نوع من النشاط الفكرى والنطقى معا [1] ، وفى اللغة العربية كان التأثر الرجعى أكثر شيوعا من التأثر التقدمى [2] مما يدل على أنها لغة نشاط فكرى ونطقى، لأنها لغة منطوقة قبل أن تكون مكتوبة، وذلك شىء يتصل بما يتصف به العرب من فصاحة وبيان، وقد لحظ ذلك أبو على، وأشار إليه، وإن لم يفصح به وذلك قوله: «قد تحدث أشياء توجب تقديم غير الأصل على الأصل طلبا للتشاكل [3] .
* * * وأمر آخر فطن اليه أبو على، والتقى فيه مع المحدثين، وأقره علماء الأصوات منهم، ذلك قوله: أواخر الآى موضع وقوف، والوقوف رأيناه قد أوجب إعلالا في الموقوف عليه، وتغييرا عما عليه في الوصل» ويشرح ذلك فيقول: «ألا ترى أنهم قد أبدلوا من التاء الهاء في نحو رحمة؟ ومن الألف الياء أو الواو في نحو أفعى وأفعو؟ وزادوا فيه في نحو هذا فرجّ، وهو يجلّ؟ ونقصوا منه في نحو:
«وبعض القوم يخلق ثم لا يفر» [4] .
ذلكم كلام أبى على، فماذا قال المحدثون؟ قالوا: «إن موقع الصوت في الكلمة يعرضه لكثير من صنوف التطور والانحراف، وأكثر ما يكون ذلك في الأصوات الواقعة في أواخر الكلمات [5] . وأنتم ترون أن أبا على يلتقى مع المحدثين في تقرير هذه القاعدة أولا، وفى ضرب الأمثلة لصنوف التطور من إبدال أو زيادة أو نقص ثانيا [6] .
وتوفيق أبى على في التعليل، والتقاؤه مع المحدثين ربما يرجع في بعض منه
(1) القراءات واللهجات العربية الامالة: 222.
(2) انظر القراءات واللهجات العربية الامالة: 272270.
(3) الحجة: 1/ 46مراد ملا.
(4) الحجة: 1/ 381وانظر 7/ 357من البلدية.
(5) انظر علم اللغة للدكتور على الواحد: 214وفقه اللغة له أيضا: 148.
(6) ألقى الدكتور عبد الوهاب عزام على مؤتمر المجتمع في دورته الثانية والعشرين بتاريخ 12/ 1/ 1956بحثا عن «أحكام القوافى في الانشاد» تعرض فيه لما يعترى القوافى من حذف أو زيادة، وتبادل المؤتمرون من أعضاء المجمع الرأى في ذلك وتعليله. وكان يختصر لهم التعليل لهذه الظاهرة ما ذكره أبو على من أن الأواخر موضع وقوف، والوقف يوجب تغييرا مما عليه في الوصل.