وأقول لابن خالويه من حيث مسلكه في الاحتجاج مثل ما قلت للزجاج، وأزيد: أن ابن خالويه بالغ في أن جعل ثواب الله أكبر بقراءة الإظهار في قوله تعالى: { «ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ» } فان كرم الله لن يضيق بثوابه على التالين لكتابه، والمتعبدين بما به، ولن يكون ضيقا حرجا بالإدغام، وواسعا عفوا بالاظهار! فثواب التلاوة ثابت في كلتا الحالين بقدر ما تخشع القلوب، وتلين الجلود!!
وقد بدا لى أن أبا على جانب الأثر في احتجاجه وأراد أن يحتج للقراءات بطريق النظر فقد دعت الاتجاهات العامة في عصره أن يرد على الملحدين المجادلين في آيات الله، وهم لا يعتدون بالأثر، ولا يقتنعون إلا بالرأى القائم على الحجة والدليل المنطقى، فأجرى مقاييس العربية على القراءات، هذا داع من الدواعى الدافعة لأبى على أن يسلك مسلكه، وشىء آخر: لقد كان معاصرا لابن مقسم (154هـ) الذى قرأ خاطئا بكل ما يحتمله رسم المصحف فأبعد كل هذا أبا على فيما أرى عن الاحتجاج بالرسم، ووثق القراءات الصحيحة السبعة بجريانها على ركن هام من أركانها ذلك هو قياس العربية، بجانب الآثار العربية.
فإذا لم يستطع أبو على أن يجرى مقاييس العربية على قراءة من القراءات سلم مضطرا بأن القراءة سنة، ثم هو: لا يخلى تسليمه عندئذ من الاشارة إلى أن القراءة بما يوافق القياس أحسن وأولى.
وإذا أردت تقويم اتجاهه وجدته خيرا وأحسن تأيلا من سلوك مسالك الأثر في عصر اشتعلت فيه نيران الجدل، وتفشته مظاهر الالحاد، واختلفت فيه النحل، وتفرقت فيه الأحزاب طرائق قددا، ثم اجتمعوا على الكيد للاسلام فكان لا بد من اصطناع البراهين التى يصطنعون، واتخاذ الوسائل التى يسلكون، وإن كان أبو على قد غالى في ذلك حتى لا يكاد يقول برسم المصحف، وتجاوزه إلى قياس القراءة على العروض والقوافى. ويشفع له في ذلك أنه كان عن كتاب الله منافحا، ومن هنا لم يكن غريبا أن ينال تقدير صادق الحكومة أبى العلاء في رسالة الغفران، فأخلاه من لوم اللائمين لأنه يمتّ إلى الله بكتابة الحجة وهو سبب متين [1] .
وأرجو أن يكون مفهوما وهذه عقيدة الفارسى أن ليس معنى انصرافه
ما لا يجتمع في حروف أخرى من جنسها فيميل بعض القراء ما كان سبب الامالة فيه ضعفا ويترك ما كان السبب فيه قويا (انظر الامالة لمكى ورقة 14والموضح للداني ص: 247.
(1) رسالة الغفران: 154.