وفى فاطر بالخفض { «جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} » [1] .
قال أبو عبيد: «لولا الكراهة لخلاف الناس لكان اتباع الخط أحب إلى، فيكون في الحج بالنصب، وفى فاخر بالخفض، فإنه رسم بالألف في الحج خاصة دون فاخر [2] يقول ذلك أبو عبيدة، ولكنه لم يقرأ به متبعا النقل لا الرسم.
فالنقل لا الرسم هو الذى يحتج به في هذه الكلمات التى تتصل برسم المصحف، وإذا أردت تقويم آراء القدامى في مواقفهم المختلفة من الرسم أقول.
«أما سيبويه فقد كان على حق لأنه احتج بمصحف ابن مسعود [3] ، ومصحف أبى مثلا [4] . لأنه احتج بما هو جائز في العربية، موثق بالأسانيد، وإن خالف رسم المصحف الإمام، ويكفى لتجويز إعراب ما أن تستشهد بما في مرسوم المصاحف التى كانت قبل المصحف الإمام، إذ كانت كما قلت موثقة الأسناد، لكن لا يقرأ بها لمخالفتها المصحف المجمع عليه.
ومسلك سيبويه يبدو طبعيا إذ كانت صفته الأولى والباقية على الدهر أنه نحوى ينظر إلى المصاحف على عمومها، محتجا بما جاء في مرسومها، غير مقيد بمصحف الإمام ما دامت المصاحف الأخرى كافية في الاحتجاج على المذاهب العربية في فنون الكلام.
وصحيح من الفراء، والزجاج، والطبرى أن يرفض كل مخالفة لرسم المصحف فيما يتصل بنقص [5] أو تبديل [6] ما هو مرسوم بالمصحف الإمام، فهذه المخالفة المردودة عند القراء بعد الاستقرار على الصحف الإمام، أما القراءات التى يحتملها الرسم العثمانى وكانت ترجع في أساسها الأول إلى النقل على النحو الذى فصلت في قول الزجاج بالأثر فلا داعى لإقحام الاحتجاج برسم المصحف فيها، فالنص على ذلك أمر لا ضرورة له، وأرجو أن ترجعوا إلى تفسير ذلكم في مكانه من هذا البحث [7] .
(1) انظر عقيلة اتراب العقائد وشرحها تلخيص الفوائد: 44، 45.
(2) ابراز المعاني: 406.
(3) الكتاب: 1/ 258.
(4) الكتاب: 1/ 481.
(5) كقراءة فاذا لا يؤتوا الناس نقيرا.
(6) كقراءة فاذا اطبأننتم، كقراءة وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال.
(7) وتوضيح ذلك أني لا أرى إقحام الاحتجاج بالرسم مثلا لقراءة من قرأ بالإمالة ذوات الياء من الأسماء والأفعال، لأنها رسمت في المصحف بالياء. فالاحتجاج بالنقل وحده هو العمدة في ذلك عند أهل الأثر، ومن هنا يجتمع في بعض الحروف من أسباب الإمالة.