الشيخ معتزا به، حريصا عليه، ويجد الشيخ في ابن جنى غلاما يتخذه كما كان يصطنع الشيخ من الأدباء والنحاة، فكان أبو عمر الزاهد غلاما لثعلب [1] ، وأبو جعفر محمد ابن رستم الطبرى غلاما للمازنى [2] ، ثم تكون بين الرجلين صحبة، كما كان بين ابن السراج، وابن الرومى من قبل.
وقد تعرض محققو كتاب سر الصناعة لأسباب طول الصحبة بين التلميذ ابن جنى وشيخه أبى على، وأرى أن هناك ما يصح أن يضاف في تفسير هذه الصحبة الطويلة:
فأولا: كان أبو على في نحو الستين من عمره، لم يكن له عقب، فكان كما يقول ابن جنى: خاليا من الأهل والولد [3] ، وكان ابن جنى في صباه حين بدأ اتصاله بأبى على، ورأى الشيخ من الصبى تعلقا به، كما يرى فيه ذكاء وفطنة، ورغبة في ملازمته، فكان عطف من الشيخ في هذه السن على ابن جنى، يشبه عطف الأب على ابنه.
وثانيا: كان أبو على في غنى ويسر، على حين كان ابن جنى فيما يبدو يعانى من الضيق والعسر يدل على ذلك قوله:
«ولعل الخطرة الواحدة تخرق بفكرى اقصى الحجب المتراخية عنى في جمع الشتات من أمرى، ودمل العوارض الجائحة لأحوالى، وأشكر الله ولا أشكره، وأسأله توفيقا لما يرضيه [4] » .
ويبدو أن بر أبى على لتلميذه لم ينقطع بموته، فقد أوصى بثلث ماله لنحاة بغداد [5] ، ومن يمثل نحاة بغداد ويتجه القصد إليه في هذا المقام إلّا الصاحب ابن جنى خليفة الشيخ في مجلس درسه [6] ؟
ثالثا: لم يجد أبو على في ابن جنى ما يؤخذ عليه، فلم يصرفه كما صرف على ابن عيسى الربعى بعد صحبة عشرين عاما. أو الاندلسى بعد ما اتصل به وأخذ عنه، فقد كان في الربعى لوثة، وكان مبتلى يقتل الكلاب، ويحكى من سيره وتصرفاته ما طيه أحسن من نشره [7] . وأما الاندلسى فقد كان فيه حرص بارد على العلم [8] .
(1) نزهة الألباء 186.
(2) إيضاح علل النحو للزجاجى.
(3) انظر الخصائص لابن جنى 1/ 284: 28.
(4) مقدمة المحتسب 7.
(5) طبقات القراء: 1/ 207.
(6) نزهة الألباء 1.
(7) نزهة الألباء 226.
(8) إنباه الرواة: 2/ 19.