ومهما يكن من أمر فان طول ملازمة ابن جنى للفارسى كان لها آثارها العامة ومظاهرها التى لا تنكر:
(ا) فقد درس ابن جنى أبا على دراسة دقيقة حتى عرف خطرات نفسه.
(ب) وحفظ علمه وأذاعه في كتبه.
(ج) وسلك مسلكه في الاحتجاج للقراءات على اختلاف بين الرجلين.
كانت كتب ابن جنى امتدادا لكتب أبى على الفارسى، وابن جنى يحس ذلك فلا يفرق بين كتبه وكتب الشيخ فنراه يقول: بعد أن أورد أبياتا في الخصائص وهذه الأبيات قد شرحها أبو على (رحمه الله) فى البغداديات فلا وجه لا عادة ذلك هنا، فاذا آثرت معرفة ما فيها فالتمسه منها [1] ،. وهكذا نرى ابن جنى يشير إلى ما كتب الشيخ، وكأنه يشير إلى مؤلف له من المؤلفات السابقة.
* * * وبعد: فما الذى دعا ابن جنى إلى تأليف كتاب المحتسب في الاحتجاج للشواذ؟!:
شهد القرن الرابع الهجرى حركة غايتها توثيق بعض القراءات، وتشذيذ بعضها الآخر ذلك إلى جانب الأسباب العامة التى دفعت أبا على إلى الاحتجاج على وجه العموم، وكان قائد هذه الحركة أبو بكر بن مجاهد (ت 324هـ) أول من سبع السبعة كما يقولون [2] ، وشذذ ما عداها، وقد عرفنا من رجال هذا العصر رجلين من القراء فقرأ بروايات أخرى من التى شذذها ابن مجاهد، أحدهما: ابن شنبوذ، والآخر: أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم العطار. وقد حمل ابن مجاهد على ابن شنبوذ، وعقد له مجلسا بحضرة الوزير ابن مقلة، وكتب عليه محضرا، واستتيب عما كان يقرأ به من الشاذ [3] وكذلك فعل بابن مقسم من بعده [4] .
أما الرأى العام فينقسم فريقين أمام هذه الحركة المتحررة التى سبق اليها كلا الرجلين كما تدل عليه عبارات كتب التراجم: فكان ابن الجزرى يمثل المؤيدين لها حين يقول في ابن شنبوذ: «أنه كان ثقة في نفسه، صالحا، دينا، متبحرا في هذا الشأن [5] » .
وحين ينقل عبارة أبى عمرو الدانى فيه: «تحمل الناس الرواية عنه، والعرض
(1) الخصائص 1/ 336.
(2) إبراز المعانى 5.
(3) طبقات القراء 2/ 54.
(4) طبقات القراء: 2/ 124.
(5) المصدر السابق: 2/ 54.