وكذلك أيضا قد ترى إطالة الصوت بقوله من بعده:
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... توكل بالأدنى، وإن جل ما يمضى
أفلا تراه لما أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه أطال الاقامة على قوله بلى رجوعا إلى الحق عنده، وانتكاثا عما كان عقد عليه يمينه، فأين قوله هنا «فو الله» وقوله «بلى» منهما في قوله: لا والله، وبلى الله؟ وعليه قوله تعالى:
«ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان» ، أى وكدتموها وحققتموها، وإذا أوليت هذا أدنى تأمل عرفت منه وبه ما نحن بسبيله، وعلى سمته، وعلى هذا قال سيبويه:
إنهم يقولون سير عليه ليل يريدون «ليل طويل» وهذا إنما يفهم عنهم بتطويل الياء فيقولون: سير عليه ليل، فقامت المدة مقام الصفة، ومن ذلك ما تستعمله العرب من اشباع مدات التأسيس، والردف، والوصل، والخروج، عناية بالقافية إذ كانت للشعر نظاما، وللبيت اختتاما، أخبرنا أبو أحمد الطبرانى عن شيخ له ذكره عن البحترى قال: سمعت ابن الاعرابى يقول: استجيدوا القوافى فانها حوافر الشعر، وقال له الشجرى في بعض كلامه: «القافية رأس البيت» ، وهذا ليس نقضا للأول، وإنما غرضه فيه أنها أشرف ما فيه، كما أن حوافر الفرس هى أوثق ما فيه، وبها نهوضه، وعليها اعتماده، ولقد تغنى يوما خفير لنا بشعر مؤسس نحو قوله: «ألا عللانى قبل يوم العواذل» فلعهدى به وهو يمطل الألف حتى يخطو به فرسه الخطوة والعشرين.
ولولا ظاهر ما في القول لقلت الأكثر. فاذا تجاوز الألف أسرع عند الدخيل فاختلس الذال والروى بعدها، وكان أيضا يمده بتقبل صدى صوته مع تماديه واغتراق أقصى النفس فيه ما كان يعطيه إياه نقل الفرس به، فان ذلك كان يهز الألف ويصنعها ويزيل تحيرها والساذجية المملولة عنها وإذا كان جميع ما أوردناه ونحوه مما استطلناه فحذفناه يدل على الأصوات تابعة للمعانى فمتى قويت قويت، ومتى ضعفت ضعفت علمت أن قراءة من قرأ يا حسره على العباد بالهاء ساكنة إنما هو لتقوية المعنى في النفس، وذلك أنه موضع وعظ وتنبيه، وايقاظ وتحذير، فطال الوقوف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر المتعجب منه، الدال على أنه قد بهره، وملك عليه لفظه وخاطره، ثم قال من بعد على العباد عاذرا نفسه في الوقوف على الموصول دون صلة لما كان فيه، ودالا للسامع على أنه إنما تجشم ذلك على حاجة الموصول إلى صلته، وضعف الاعراب وتحجره على جملته ليفيد السامع منه ذهاب الصورة
بالناطق. ولا يجف ذلك عليك على ما به من ظاهر انتقاض صنعته، فان العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الاعراب لصحة المعنى (1) .