ولولا ظاهر ما في القول لقلت الأكثر. فاذا تجاوز الألف أسرع عند الدخيل فاختلس الذال والروى بعدها، وكان أيضا يمده بتقبل صدى صوته مع تماديه واغتراق أقصى النفس فيه ما كان يعطيه إياه نقل الفرس به، فان ذلك كان يهز الألف ويصنعها ويزيل تحيرها والساذجية المملولة عنها وإذا كان جميع ما أوردناه ونحوه مما استطلناه فحذفناه يدل على الأصوات تابعة للمعانى فمتى قويت قويت، ومتى ضعفت ضعفت علمت أن قراءة من قرأ يا حسره على العباد بالهاء ساكنة إنما هو لتقوية المعنى في النفس، وذلك أنه موضع وعظ وتنبيه، وايقاظ وتحذير، فطال الوقوف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر المتعجب منه، الدال على أنه قد بهره، وملك عليه لفظه وخاطره، ثم قال من بعد على العباد عاذرا نفسه في الوقوف على الموصول دون صلة لما كان فيه، ودالا للسامع على أنه إنما تجشم ذلك على حاجة الموصول إلى صلته، وضعف الاعراب وتحجره على جملته ليفيد السامع منه ذهاب الصورة
بالناطق. ولا يجف ذلك عليك على ما به من ظاهر انتقاض صنعته، فان العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الاعراب لصحة المعنى [1] .
وهو في مثل هذه الابتكارات يسمح لنفسه بأن يطيل، ويستطرد من مثال إلى مثال غير خارج عن الموضوع الذى يتحدث فيه، ويحتج له.
(هـ) ثم أقرأ حديثه عن «التضمين» بما يدل على تفهمه لروح العربية، وغوصه البعيد عن أسرارها، قال في قراءة: { «وَمََا يَخْدَعُونَ إِلََّا أَنْفُسَهُمْ» } [2] بضم الياء وفتح الدال:» هذا على قولك» خدعت زيدا نفسه «ومعناه عن نفسه، فان شئت قلت على هذا حذف حرف الجر فوصل الفعل، كقوله عز اسمه {«وَاخْتََارَ مُوسى ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا» } أى من قومه وقوله: «أمرتك الخير» أى «بالخير» . وإن شئت قلت: حمله على المعنى فأضمر له ما ينصبه، وذلك ان قولك خدعت زيدا عن نفسه يدخله معنى انتقصته نفسه، وملكت عليه نفسه، وهذا من أسد وأدمث مذاهب العربية، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه اليه، ويصرفه بحسب ما يؤثره عليه، وجملته أنه متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر فكثيرا ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل في الاستعمال به اليه، ويحتذى في تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه، ألا ترى إلى قول الله (جل اسمه) { «هَلْ لَكَ إِلى ََ أَنْ تَزَكََّى» } [3] ، وأنت تقول: هل لك في كذا؟ لكنه لما دخله معنى أجذبك إلى كذا وأدعوك اليه قال: هل لك أن تزكى، وعليه قول الفرزدق:
كيف ترانى قالبا مجنى ... قد قتل الله زيادا عنى
واستعمل عن هاهنا لما دخله من معنى قد صرفه الله عنى لأنه إذا قتله فقد صرف عنه. وعليه قوله تعالى: { «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيََامِ الرَّفَثُ إِلى ََ نِسََائِكُمْ» } [4] ، وأنت لا تقول رفثت الى المرأة وإنما رفثت بها ومعها، ولما كان الرفث بمعنى الافضاء، عدى بالى كما يعدى أفضيت بالى، نحو قولك أفضيت الى المرأة. وهو باب واسع منقاد فكذلك قوله عز وجل: { «وَمََا يَخْدَعُونَ إِلََّا أَنْفُسَهُمْ» } جاء على خدعته نفسه لما كان معناه معنى انتقصته نفسه [5] .
(2) سورة البقرة آية 9.
(3) سورة النازعات آية 18.
(4) سورة البقرة آية 187.