وابن جنى في سبيل الاحتجاج للقراءات يستفتى كل شيخ يعين، ويأتنس بكل رأى يؤيد، ويستشهد بلهجات القبائل يعتمد عليها في تقرير ما هو بسبيله من احتجاج، ومن أجل ذلك تراه يتخلى عن العصبية المذهبية، أو الآراء الطائفية، ما دام ذلك يحقق له ملاك هدفه في كتابه المحتسب وهو توثيق القراءات التى عدها غيره شواذ:
فرجال البصرة ورجال الكوفة البغداديون كل أولئك عنده سواء، يستشهد بسيبويه، كما يستشهد بالكسائى وثعلب في غير موالاة أو معاداة، ويثني على الكسائى، كما يثنى على إمام النحاة، ويقرر الحقيقة غير متحيز إلى فئة:
احتج لقراءة: { «وَمََا يَخْدَعُونَ إِلََّا أَنْفُسَهُمْ» } بأنها جاءت على خدعته لما كان معناه معنى انتقصته نفسه. ثم قال: ورأيت أبا على (رحمه الله) بذهب إلى استحسان مذهب الكسائى في قوله:
إذا رضيت علىّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبنى رضاها
لأنه قال: عدى رضيت بعلى كما تعدى نقيضتها وهى سخطت به، وكان قياسه رضيت عنى وإذا جاز أن يجرى الشيء مجرى نقيضه فاجراؤه مجرى نظيره أسوغ، فهذا مذهب الكسائى وما أحسنه [1] !!
وانظر بعد ذلك استشهاده بالكسائى في توجيه قراءة: «وهذا بعلى شيخ» [2]
وهو في هذا ونحوه يعتد بالكسائى حتى أنه ليروى قول الكنانى يمدح الكسائى:
أبى الذم أخلاق الكسائى وانتهى ... به المجد أخلاق الأبو السوابق [3]
ولكنه يتخلى عن هذه النزعة، ويلبس ثوب بصيرته، ويهاجم الكسائى لاذعا، وذلك حيث يقول الكسائى في قول عنترة:
ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر! أقدم
أراد ويلك ثم حذف اللام. فلا يقبل ابن جنى تأويل الكسائى أو تعليله، فيقول: «وهذا يحتاج إلى خبر نبى ليقبل» [4] !!