وقد رأينا كيف كان ابن جنى يستهدى الروح البلاغى في التأويل، ويتجه إلى المعانى النفسية في الاحتجاج، كما كان يستهدى الحس اللغوى وبهذا شاعت الروح الأدبية في كتاب المحتسب، وإنك لتلقى فيه دماثة الأسلوب ووضوح العبارة، وتحامى الغموض والإملال، والتخفف من المنطق، والبعد عن الاستطراد، والإطالة والتشعب. وتجافى الامعان في التعليل، والاسهاب في الاستشهاد، مما يجعل كل أولئك شواهد مميزة لابن جنى تخالف فيها مع أستاذه أبى على.
وقد رأينا قبل كيف كان ابن جنى يهاجم ابن مجاهد في أغلب ما شذذ من القراءات، على غير موقف الشيخ في ذلك.
كما تعرضت لموقفه من رسم المصحف والاستشهاد به، وشىء آخر يطهر عند ابن جنى ذلك هو الاستشهاد بشعر المولدين في المعانى [1] ، وظهور مسائل الخلاف بين النحاة البصريين والكوفيين على صورة باهتة، لا كما تظهر في كتاب الحجة.
ومرد أغلب هذه الفروق أن ابن جنى لحظ تجافى القراء عن الحجة بما فيه من إملال واستطراد وتعمق، وإمعان في النظر فأراد أن يتحامى ذلك كله، وأن بتخفيف فيما لا بد منه فجاء كتابه على هذه الصورة التى تقربه إلى النفوس.
وغنى عن البيان إذا ما أردت التحدث في التوافق الذى كان بين الشيخين أن أقول:
إن ابن جنى استعان بكثير من أصول شيخه ومسائله، ثم زاد هو عليها بالتعليق والصياغة والتحقيق: يحدث عنه، ويعتمد عليه في التدليل، كما يعتمد عليه في التفسير اللغوى، ويسلك مسلكه في تقديره سيبويه، والدفاع عنه في إيمان، ومهاجمته القراء في عنف وامعان، ويستغل العروض كأستاذه في التدليل والاحتجاج على فرق بين الرجلين كما سبق به البيان.
وجزى الله الرجلين كل خير، فقد احتجا للسبعة أو الشواذ دفاعا عن القرآن الكريم وحفاظا، عليه، واحتسابا للأجر الجزيل، والثواب العظيم
(1) المحتسب: 1/ 161.